المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل الدويك Headshot

عمل تطوعي أم وظيفة في الأنوروا؟

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن قرأت كتباً عديدة في اقتصاديات دول العصر المعاصر -الناجح منها والخاسر- ونظرت في الأعمال التطوعية على حيطة وحذر، وبعد أن عملت في مجال ونطاق التطوع الذي يتباهى به شبابنا، أدركت تماماً بأن التطوع له معانٍ أسمى من تلك التي نراها كل يوم، ومضامين أكبر قيمة من التي نحدثها في أعمالنا التطوعية مجتمعة.

أرجو التركيز والحذر لما أقول؛ فأنا لا أريد من اليأس أو الصدأ أن يأكل قلوبنا النهمة للخير، أو أطراف أيدينا المتطوعة والتي تقوم بواجبها الإنساني على نحوٍ فطري وبريء مما يدور في مكتنفات هذا العالم الحر، وإنما معالجة الأمور بأكثر جدية من المعتاد، وأكثر صدمةً وتأثيراً على واقع التطوع وأهدافه ونتائجه بحيث نصعد للمرحلة المتقدمة.

وأكرر، أرجو التركيز..
سأذكر في البداية قصصاً عابرة لأوضح المشكلة والنتيجة، كلاًّ على حدة.. والحل في أيديكم.

أذكر مرةً حينما أعلمتنا إحدى المجموعات التطوعية في جامعتي عن يومٍ مخصصٍ للأيتام في الجامعة، وفيه كان برنامج الحملة عبارة عن يومٍ واحدٍ لاستقبال الأطفال الأيتام، ومن ثم توجيه هؤلاء الأطفال في مجموعات لكي نريهم الجامعة وما بها من نشاطات وفعاليات ومؤسسات قد تكون ذات نفعٍ مستقبلي، أو على نحوٍ أفضل قد تتشكل كهدف مستقبلي لأحد هؤلاء الأطفال كاختيار جامعي أو كمجال عمل في إحدى المؤسسات داخل الجامعة كالإذاعة، وهي ما ذهبنا إليه في مجموعتي الصغيرة مع طفلتين يتيمتين، وقد كانتا جِدُ رائعتين وجميلتين إلى أبعد التصورات.

وأذكر بأن من أشرف عليهما صديقةٌ مقربة لي، وقد تفاعلت معهما أفضل تفاعلٍ ممكن، فقد اتسمت بسحر خاصٍ في تعاملها مع الأطفال ككل، فقد أحببنها منذ الوهلة الأولى، وتكلمن معها منذ البداية على غرارنا نحن البقية.

وأذكر بأننا حينما انتهينا من هذا المشوار البسيط. ولكن الرائع، كنا قد توجهنا إلى مطعم الجامعة حيث سنأكل جميعاً على مائدةٍ واحدة.

وحينما انتهينا حصلت الصدمة، فقد أخبرتنا الفتاتان -أنا وصديقتي- بأنهما تتعرضان لضربٍ مبرح في المركز الذي تمكثان فيه، وأنهما لا تريدان العودة بتاتاً وتفضلان البقاء مع صديقتي. وقد تمزق قلبينا معاً حينما علمنا، وحيث عانقتْ كل واحدة منهما ساقاً من سيقان صديقتي وهما تبكيان، فتوجهنا إلى مدير المجموعة التطوعية الذي صدمنا هو الآخر بإجابته الفذة، بأن قال: "ليس لنا علاقة! هيا أركبوهما الباص..".

وفي قصة أخرى مضحكة نوعاً ما، ذهبت أنا وصديقتي نفسها في القصة السابقة إلى أحد المدراء في جامعتنا، بناءً على دعوة خاصة لطلاب برنامج تشغيل الطلبة والذي كنا فيه نتقاضى ستين ديناراً في الشهر.

وحينما قابلنا مع باقي طلبة التشغيل بدأ الحديث بشكل غريب ولكن مهذب، فأراد أن نعمل في مكان آخر، غير أماكننا التي عينونا فيها. وقد كانت المهمة مكتبة إحدى المدارس التي يجب فيها أن نصنف الكتب ونصفي القديم والممزق منها حسب الأصول.

وطبعاً لم يذكر أمر تطوعنا في البداية؛ لهذا شعرنا بنوع من الغرابة في حديثه، ومن ثم فاجأنا وباقي الطلاب، الذين تحججوا بعدم مقدرتهم على الذهاب لأسباب ليست في الواقع أسباباً، بأنه "وسيكون" هذا العمل في ميزان حسناتنا، ولن يزيد شيئاً على رواتبنا وستظل كما هي! علماً بأن معظم هؤلاء الطلاب لديهم حالات خاصة هي التي دفعتهم للدخول لبرنامج تشغيل الطلبة بادئ ذي بدء.

وقد كححت حتى اكتفيت مشيراً إلى أن نخرج بسرعة قبل أن تلصق هذه المهمة بنا، والتي فيما بعد تقاضى عليها رجال مكتبة الجامعة أموالاً وافرة كمنتدبين.

وسأكتفي بهذا القدر. ولكنني سأذكر مجمل المشاكل التي أراها في تطوعنا الناقص ومؤسساتنا التي تزعم التطوع.

المشكلة الأولى: إن برامج التطوع لدينا يقوم فيها الشباب دون دعم يذكر من أصحاب رؤوس الأموال المحليين.

المشكلة الثانية: التطوع لا يتم دون وجود طرف خارجي، ويتحجج أصحاب مثل هذا التطوع بعدم وجود أموال كافية لدعم البرامج، وسبب ذكري لهذه النوع هو أن مفعوله بسيط ونتائجه قليلة جداً تكاد لا تذكر وتختفي بعد مرور شهر أو شهرين، وهذا التطوع هو الأكثر في البلدان العربية.

المشكلة الثالثة: المؤسسات التطوعية أصبحت ملاذ العمالة والأجور العالية، حيث لا تجد إنساناً إلا ويسعى كهدف أولي على تحصيل راتب عالٍ نسبياً من خلال هذه الشركات، فتجد بأن أكثر الشركات الخاصة المستهدفة هي المؤسسات التطوعية والجمعيات الخيرية.

المشكلة الرابعة: التطوع يستهدف أوقات محددة كشهر رمضان، أو أماكن محددة لفترات آنية.

المشكلة الخامسة: الأعمال التطوعية أصبحت ملاذًا للشهرة والسطوة الإلهية -مع التحفظ- على بعض الفقراء والمساكين، فلا تكاد تكون في مجموعة تطوعية أو حملة تطوعية إلا وبها يصطف المصورون ليصوروا بعض الحالات التي -في آنها- يقدم العمل التطوعي ككأس العالم أو ما شابه، ولكن على نحو مقلوب ومشوه لكي يتباهى المُصَّور صاحب الصورة بانتهاكه خصوصية المحتاج. بحيث لم يعد هناك أي إحساس بالمسؤولية تجاه الإنسان المحتاج المقابل وبالتالي انعدام الثقة بين الطرفين.

المشكلة السادسة: عدم وجود حس بالمسؤولية لدى غالب المتطوعين فتجدهم يتعجلون إلى الحملات المدفوعة مسبقاً، أو التي تتوافر فيها المشروبات والمأكولات على نحو أو تصور لا إنساني أمام أولئك المحتاجين.

المشكلة السابعة: استخدام المتطوعين في أعمال شركات ومؤسسات ومصانع على نحو مجاني أو مدفوع مسبقاً للمؤسسة التطوعية دوناً عن هؤلاء المتطوعين الذين يعملون مجاناً، دون أن يعلموا مساعي هذه المؤسسات أو أهدافها الفعلية ونتائج أعمالهم التي تقطف ثمارها الشركات والمؤسسات التي أرسلتهم بادئ ذي بدء.

المشكلة الثامنة: المجموعات التطوعية والحملات التطوعية تنظر دوماً إلى الاحتياجات الأساسية للفقراء والمساكين، بدل النظر إلى أصل المشكلة عبر حكوماتهم وتشريعات بلدانهم في حل مشاكل الفقر والبطالة وغيرها من المشاكل التي لا تزال في تدهور مستمر، فالمشكلة تحل -على عكس الصواب- من الأسفل بدل أن تحل من رأس الهرم.

المشكلة التاسعة: عدم وجود رؤية محلية واضحة في حل المشاكل التي تستهدفها المؤسسات والمجموعات التطوعية، أو حتى انتماء واضح للفقراء، فتتم معاملتهم كطرف أجنبي على الدوام. وقد يحظى الطرف الأجنبي بمعاملة أفضل من ذلك الذي يعيش في وطنه الأم، وهذا ما نراه يومياً خلال هذا العصر.

المشكلة العاشرة: توقف الإنجاز والتطور والإنتاج في أي مؤسسة محلية عند الدعم الخارجي. فتجدهم لا يهتمون بأي شيء إلا هذا المال الفائض الذي أتى من السماء دون سابق إنذار، أو مع سابق إنذار وتجهيز جيد لاستقبال الوفد المانح الذي سيدرس الدعم!

وهناك عشرات المشاكل الأخرى التي لن أستطيع التطرق لها هنا في هذه المدونة، ولكنني أتمنى أن ينتبه شبابنا أكثر، ويرتبوا أمورهم بشكل أدق وأجدى لهم في معرفة مصلحتهم ومصلحة بلدانهم على نحوٍ أسمى، والعمل.. العمل.. العمل.. لأجل أوطانهم لا حكوماتهم أو دول ما عبر البحار أو أنفسهم وشهرتهم الشخصية في سيرهم الذاتية، إلخ..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.