المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل عادل Headshot

علاقة التغير في مصر بين الثورة و"الانتحار"!

تم النشر: تم التحديث:

قصة شاب مصري كان لحياته أثر وفي استشهاده أثر أكبر، فتكاد تندر أو تختفي قصته من ذاكرة المجتمع بعد مرور أعوام عدة على استشهاده أو كما يطلق عليه أول شهيد للتطبيع، فقليل جدًّا من يعرفون قصته، حتي تناول الصحافة لقصتة يأتي بشكل سطحي، ثم ظهرت على السطح مرة أخرى أثناء زيارة حمدين صباحي المرشح الرئاسي وقتها و التحدث عنه كمثال للشاب الناصري الذي وقف أمام ديكتاتورية السادات.

فى يوم الثلاثاء ٢٦ فبراير/ شباط ١٩٨٠ وهو اليوم المحدد لاستقبال السادات للسفير الإسرائيلى إلياهو بن اليسار في قصرعابدين لتقديم أوراق اعتماده كأول سفير إسرائيلى فى مصر بعد معاهده كامب ديفيد، في ذلك الوقت كان الشاب المصري سعد حلاوة ابن مدينة أجهور الكبرى في محافظة القليوبية قد عقد العزم على القيام بشيء ضد هذا الاتفاق، أخفى ما سيفعله عن أصدقائه عندما كان يجلس معهم، واكتفى فقط بأن ما سيفعله سوف يكون مفاجأة بالنسبة للجميع.

توجه سعد في تمام الثانية عشر ظهرًا إلى المركز المحلي لمدينة أجهور، وصعد إلى الدور الرابع ثم توجه إلى مكتب سكرتير المركز، ظن في البداية سكرتير المركز أن سعدًا أتى لإلقاء التحية أو مسألة يريدها منه، لكن علي العكس تمامًا فقد بدأ سكرتير المركز بالصراخ بأن سعدًا يريد أن يفجر نفسه فهرب كل من كان بالمركز خائفًا.

في تلك الأثناء كان سعد قد نصب الميكروفون وبدأ الحديث عن ديكتاتورية السادات وعدم شرعية التطبيع مع الكيان الصهيوني، ثم طالب برحيل السفير الإسرائيلي عن مصر وعدم وجود تمثيل دبلوماسي بين مصر وإسرائيل.

ذهب أهل القرية إلى عم سعد "عمدة القرية" وأهله من أجل إقناعه بترك الرهينتين الذين احتجزهما داخل المركز ولكن كل محولاتهم باءت بالفشل، استمر سعد متمسكًا بمطالبه وبدأ يذيع عبر الميكرفون خطبًا للرئيس جمال عبد الناصر وبعض الأغاني الوطنية والقرآن الكريم وكل فترة يعود ويكرر مطالبه، تجمع أهالي القرية بجوار المركز لمتابعة ماذا يحدث، منهم من كان يؤيد مطالب سعد والآخر كان يؤيد ولكن كان معترضًا على الطريقة ولكن الجميع كان يريد أن يقول ما لم يستطيع قوله سوى سعد.

لم تأخذ قوات الأمن الآتية من قسم شرطة المدينة وقتًا حتى تنتشر في جميع أرجاء المكان، بعد عدة دقائق وصل اللواء أحمد مختار بقوة من مديرية الأمن في حدود 3 آلاف مجند أمن مركزي وعده قناصين انتشروا فوق أسطح المباني المجاورة، ظل سعد يرفض كل محاولات النصح من أسرته ومن أهل القرية، فما يفعله لن يغير شيئًا بالنسبة لهم، فما كان قد كان والسفير الإسرئيلي استلم أوراق اعتماده وأصبح هناك تمثيل دبلوماسي بين مصر وإسرائيل، ولكن استمر في المطالبة برحيله.

لم يكن يتوقع سعد النتائج التي ستؤول إليها مطالبه، حتى أتى وزير الداخلية (النبوي إسماعيل) بنفسه مكلفًا من الرئيس أنور السادات شخصيًّا. حاول مرة أخيرة أن يقنع سعدًا بترك الأسرى يرحلون والاستسلام -السادات كان يظن أن سعدًا عميل لدولة ما أو يتبع تنظيمًا مناهضًا لحكمه وأراد استجوابه- لكن لم يستجب لهم فتلقى وزير الداخلية أمرًا من أنور السادات بالتخلص من تلك المشكلة وعدم تكرر تلك الحوادث أثناء تواجد السفير الإسرائيلي مرة أخرى.

وفي تمام الساعة السابعة في يوم 27 فبراير/ شباط بدأت قوات الأمن المركزي في إلقاء القنابل المسيلة للدموع داخل المركز وحين اشتد الضرب ترك سعد الرهائن يرحلون حتى لا يختنقوا بالغاز وبقي وحده متحصنًا داخل المركز، ولكن بدأت الأمطار تهطل فتوقف الضرب حتى تمام الساعه الثالثة حين أعطى وزير الداخلية أمرًا للقناصة بالتعامل مع سعد فأطلقوا عليه النار.

دخل أقارب سعد المركز وصعدوا إلى الدور الثالث حيث كان متحصنًا فوجدوه ملقىً على الأرض ويده ممدودة وعليها آثار دمه إلى الحائط ومكتوب "عاشت مصر حرة"، لم يحضر أحد جنازة سعد؛ لأن الداخلية منعت إقامة جنازة له واكتفت بدفنه في مقابر عائلته فقط، وفي ذلك اليوم كتبت الصحف القومية عن حادثة سعد بعض العناوين مثل: "فلاح يعتلي الجمعية الزراعية ويطالب بأدوات زراعية"، وكتبت أخرى: "مجنون يحتجز رهائن ويتمتم بكلمات غير مفهومة"، هكذا مات سعد وهكذا قالوا عنه وبقي السفير الإسرئيلي في مصر وبقيت قصه سعد الذي أراد أن يسبح عكس التيار.

هكذا مثل الأمواج أنهكت الثورة من الضربات المتتالية التي لاحقت كل من شارك بها منذ تنحي مبارك وإدارة المجلس العسكري للبلاد، وظلت هكذا مع انكفاء القوى المشاركة في الثورة وشيوعًا لظواهر الفرقة بينهم، بينما كان العسكر وبقايا النظام السابق ينظمون أنفسهم ويبدؤون في عمل ثورة مضاده سياسيًّا و اقتصاديًّا من بعد ثورة مفاجئة أطاحت برأس النظام، فكان واضحًا للجميع أن القوى الثورية بجانب جماعة الإخوان كان تفاعلها مع حقائق هزيمة الثورة لصالح الثورة المضادة قائمًا علي المواجهة فحسب.

حتي أتى يوم فض رابعة العدوية والقتل الوحشي الذي تعرض له الإخوان المسلمين -يمكن أن تكون تلك العملية شبيهة بعملية قتل سعد فالوحشية التي استخدمت هنا وهناك لم تكن من أجل التخلص منهم فقط، لكن لضمان عدم تكرارهم في المستقبل-، فمشروع التغير المنشود قد غرق في بحر الجنون الذي غرق فيه كل من كان يطالب به، فأصبح بعيد المنال أو أقرب إلى المستحيل في الوقت الحالي، فالمجتمع كله منهك وليس القوى الثورية فقط، والحديث عن ثورة في الوقت الحالي والوقوف أمام تحالف العسكر والدولة العميقة أشبه بموقف سعد حين طالب برحيل السفير الإسرائيلي سباحة عكس التيار ستؤدي في النهاية إلى الغرق.

السباحة عكس التيار لا تفيد، لن تستطيع أن تواجه الأمواج لمدة طويلة فستنهكك وستموت غرقًا في النهاية، لكن إذا علقت في تيار شديد فاسبح معه حتى تصل إلى منطقة آمنة أو شاطئ، فهي أسلم حل للخروج بأمان من المياه، كانت تلك أول نصيحة لي عندما تعلمت السباحة، لكن يبدو أن تلك النصيحة لا تناسب فقط السباحة في المياه!

كان يمكن تجنيب البلاد الآلاف من القتلى والمعتقلين وحالة اليأس التي أصابت الجميع، كان يمكن لو علمت جماعة الإخوان والقوى الثورية أن الثورة هزمت قبل مشهد 30 يونيو الذي كان فقط حفل التنصيب، كان يمكن لجماعة الإخوان حل اعتصام رابعة وتجنب مواجهة العسكر في الحرس الجمهوري وعدم الذهاب إلى التهلكة بأرجلنا، كان يمكن الاعتراف بالهزيمة الثورة والانسحاب بأقل الخسائر وتجنب الوضع الحالي، ثم محاولة التنظيم مرة أخرى كما فعلت الثورة المضادة، كان يمكن في تلك الفترة وضع استراتيجية للمواجهة والبناء وخلق بديل يمكن أن يقدم للمجتمع بديلًا عن العسكر.

سأنهي بالأسئلة لأنها تحمل في أعطافها وحناياها حيرة الكاتب وبعضًا من تردده وربما اختلاط الأمور.

علي مدى ما يقارب الثلاثة أعوام ما هي فاعلية كل الدعوات التي أطلقتها جماعة الإخوان وغيرها من القوى الثورية؟

هل أضعفت التظاهرات النظام أو أصبح أكثر دموية وعنفًا واستمد شرعية لإصدار قوانين تلقي بأكثر من 50 ألف شخص في السجن ومئات الأحكام بالإعدام؟

هل كان يمكن تجنب المذابح التي قام بها العسكر؟
ما البديل الذي يمكن تقديمه للمجتمع عن العسكر؟
هل يمكن أن يكون هناك مشروع إصلاحي توافق عليه كل الأطياف؟
هل سيكون هناك تحرك مستقبلي منظم ضد العسكر؟

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع