المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فهد العمار Headshot

لماذا جمال عبد الناصر ليس عروبياً؟

تم النشر: تم التحديث:

مثل باقي المصريين، كان ولاء جمال عبد الناصر لمصر، وكانت معرفته بحياة العرب خارج دولته ضيقة. قبل ثورة عام 1952م، لم يزر عبد الناصر أي دولة عربية، ولم يتعامل مع أحد من غير المصريين، بل لم يكن حتى يرى نفسه عروبياً (1).

ومع أنه تردد على بعض عواصم الدول العربية في عام 1950م، إلا أنها كانت في ظروف من الصعوبة أن تعلّمه الكثير عن تلك الدول (2). في عام 1958م، عندما أصبح عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة -الاسم الرسمي للوحدة بين مصر وسوريا- قال: أنا مصري، مصر تعني الكتاب المقدس، تعني جوهر كل الديانات... أحب كلمة مصر (3).

عندما أنشأ عبد الناصر آخيراً الاتحاد مع سوريا في فبراير/شباط من عام 1958م، أسفر هذا عن هيمنة مصرية كاملة على سوريا بدلاً من الشراكة المتساوية، حيث كانت القوة والسلطة تتمركزان في يدين: عبد الناصر وفي القاهرة بشكل عام. تم حلّ جميع الأحزاب السياسية في سوريا. وفي أكتوبر/تشرين الأول من عام 1958م، أعلن عبد الناصر الحكومة الجديدة للجمهورية العربية المتحدة، التي أنتجت 21 وزارة، 14 وزارة مهمة منها كان يرأسها مصريون. تم إخضاع القوات المسلحة السورية للقوات المصرية، وتم استبدال المحكمة العليا السورية بالنموذج المصري، وتم تبنّي قانون الطوارئ المصري، الذي أعطى عبد الناصر الصلاحيات كافة (من القوانين، تطبيق عقوبة الإعدام على كل من يسيء إلى الذات الرئاسية).

هذه الهيمنة الناصرية على سوريا، واستخدام القوة ضد السوريين، أدتا في نهاية المطاف إلى إنهاء الوحدة، كدليل آخر على تفوّق روح الوطنية المحلية على شعارات "الأمة العربية". لو كان عبد الناصر فعلاً يعتقد بالعروبة وبتساوي العرب في وطن واحد، لما كان هناك أي مبرر لتفضيل المصريين على السوريين، فقط بسبب المنشأ الجغرافي.

هذا التمجيد لمصر يصاحبه تصوّر عبد الناصر لبقية الدول العربية كمزيج من الجماعات المتباينة مع القليل من القواسم المشتركة. زيارات عبد الناصر القليلة للدول العربية قبل الثورة لم تقدم له شيئاً إلا أنها أكدت شكوكه السابقة عن العرب:"فالعراقيون متوحشون، واللبنانيون مرتشون فاسدون، (أنا أتصور بيروت نادياً ليلياً مترامي الأطراف)، والسعوديون قذرون، واليمنيون أغبياء متخلفون، والسوريون مخادعون لا يقدّرون المسؤولية ولا يثقون بغيرهم" (4).

هذا الكلام القاسي واللاذع والممزوج بنظرة دونية لبقية العرب لا يمكن أن تفهمه إذا كنت تعتقد أن عبد الناصر عروبي. لن تفهمه إلا في إطار شخص إمبريالي يسعى لمصالحه في إنشاء إمبراطوريته الناصرية.

حظ الفلسطينيين مع عبد الناصر ليس أفضل من بقية العرب. خلال فترة حكمه، لم يعطِ عبد الناصر للفلسطينيين حق تقرير المصير في غزة، التي كانت تحت حكم مصر منذ عام 1948م؛ بل كان يحكم المنطقة باعتبارها منطقة عسكرية محتلة، وعرّض الفلسطينيين لرقابة شديدة وقسوة في التعامل، مع فرض قيود على السفر، ورفض إعطائهم الجنسية المصرية.

بالإضافة إلى رأيه اللاذع عن العرب، كان عبد الناصر في البداية ينظر إلى إسرائيل والصهيونية بنوع من الاحترام العميق. ففي عام 1948م، كوّن عبد الناصر صداقة عميقة مع ضابط الارتباط الإسرائيلي يروحام كوهين، واستمرت الصداقة حتى بعد أن أصبح عبد الناصر رئيساً لمصر. حسب مذكرات كوهين، فإن عبد الناصر في أحاديثهم كان يقدّر، وبشدة، النجاح الصهيوني في إنهاء الوجود البريطاني في فلسطين من خلال النضال العسكري والسياسي.

كان عبد الناصر أيضاً معجباً ببعض الجوانب من المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً مجتمع "الكيبوتس" وأسلوبهم "التقدمي" في الحياة. هذه المحادثات ذكرها عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة"، الذي كتبه محمد حسنين هيكل، والذي كان أيضاً خالياً من أي معاداة لإسرائيل، وكان لومه منصبّاً نحو العرب أولاً، ثم البريطانيين، وأخيراً على الإسرائيليين (5).

عبد الناصر كان ينظر لجامعة الدول العربية، التي تُعتبر مظهرلً من مظاهر الوحدة العربية، باعتبارها مزورة وإنشاء إمبريالياً، مما دفعه لإزالة الأمين العام المصري عبد الرحمن عزام من منصبه. كان عبد الناصر مع العروبة والوحدة العربية فقط إذا كانت تحت رئاسته وحسب شروطه وفي الوقت الذي يريده.

سرعان ما لاحظ عبد الناصر، بذكائه السياسي، الإمكانات الهائلة للدول العربية والعروبة لخدمة أهدافه الداخلية والدولية. يقول عبد الناصر في نهاية عام 1953م: "سابقاً، كنت لا أعتقد لا في العرب ولا في العروبة... في كل مرة، أنت أو أي شخص آخر يكلمني عن العرب ضحكت على ما يقول... ولكني أدركت كل الإمكانات التي تمتلكها الدول العربية! هذا ما جعلني أغير رأيي" (6).

كان عبد الناصر يسعى لإقامة إمبراطورية مصرية إقليمية جديدة، ولكن في حين أن البعض يستخدم قوة السيف لشق طريقهم إلى الإمبراطورية واحتلال مناطق مثل الشام والسودان، كما فعل محمد علي باشا وابنه إبراهيم، فإن عبد الناصر فضّل وسائل أقل خطورة، مثل الدعاية وبروباغندا العروبة والتلاعب السياسي وتخريب الأنظمة العربية المنافسة.

كان بإمكان عبد الناصر أن يدعو إلى وحدة عربية تكون فيها الدول العربية مستقلة وذات سيادة ومستفيدة من ثرواتها، مثل التجربة الأوروبية، ولكن عبد الناصر كان يعلم بأن هذا لن يحقق له حلمه في أن يكون قيصر العرب ويستفيد من ثرواتها لمصالحه وأحلامه الإمبريالية، والبعيدة كل البعد عن العروبة وهموم المواطن العربي البسيط.

المصادر:
(1) مايلز كوبلند. (1970)، لعبة الأمم (ترجمة إبراهيم جزيني)، صفحة: 67، لبنان، بيروت.

(2) المصدر نفسه.

(3) Mohamed Heikal (1986). Cutting the Lion's Tail: Suez through Egyptian Eyes. London, UK: Corgi. p. 44

(4) مايلز كوبلاند (1970)، لعبة الأمم (ترجمة مروان خيّر)، صفحة: 90، لبنان، بيروت. راجع أيضاً: نجلاء ابو عز الدين، (1988)، ناصر العرب، دار المستقبل العربي.

(5) مايلز كوبلند، (1970)، لعبة الأمم (ترجمة إبراهيم جزيني)، صفحة: 66، بيروت.

(6) Jean Lacouture. (1973). Nasser: A Biography. New York, NY: Knopf. p. 183

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.