المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فهد أبوعميرة  Headshot

كيف نفذت تجربة موت مُصغرة على نفسي؟!

تم النشر: تم التحديث:

لعل التجارب أقوى من يروض الإنسان ويجعله يتنحى عن كل ما هو خطأ؛ حتى يصل لمرحلة من الرشد والتدبر، لكن هل خطر ببالك أن تجرب أن تموت موتة مصغرة؟

يُقال إن الموت أكبر موعظة للإنسان، يعلم المرء أنه لا بد أن يأخذ الأمور بشيء من البساطة، لكنك قد تتعلم جزءاً صغيراً منها إذا علمت بوفاة شخص تعرفه، ويزداد مقدار إدراكك لها كلما كان المتوفى شخصاً قريباً لفؤادك، ولكي تتعلمها بنسبة تقترب للكمال عليك محاولة أن تعيشها.

ذات يومٍ قررت أن أخوض تلك التجربة بنفسي، اتجهت إلى فراشي، وقضيت على كل مصادر الإضاءة في الغرفة، وجعلت جسدي في وضع ثابت لا يتغير، ووضعت يدي اليمنى على اليسرى على صدري بالوضع نفسه الذي يجعلون يد المتوفى به بعد الموت، وأغمضت عينيَّ تماماً؛ كي أكمل الشعور بوضع المتوفى.

لم أكتفِ بتثبيت أعضاء جسدي الخارجية فحسب، حاولت التحكم في الرئتين؛ كي أستطيع التنفس بهدوء دونما أن يرتفع صدري مع كل شهيق وينخفض بخروج الزفير، وأفرغت عقلي من كل المشاكل والهموم التي تملأ جنباته، وبذلك أصبحت في وضع المتوفى ظاهرياً.

بدأت أتخيل أن نبأ وفاتي قد انتشر، ولم أقصر توقع ردود الفعل على انتشار هذا الخبر على أفراد عائلتي فقط، أضفت إليهم أصدقائي وكل من يعرفني، شعرت بتألُّم المُقربين، وبحزن المحبين، واكتفاء المعارف بالترحم على روحي وهم يتذكرون ما حسُن من صفاتي.

مرّ أمامي أهم المواقف والقرارات التي اتخذتها طوال حياتي، فندمت على بعضها؛ لأنني حينها كنت أحسب أن الدنيا لا تُؤخذ إلا غلاباً، شعرت بأنني كنت مقصراً للغاية في علاقاتي مع من لم يستحقوا أن يروا قسوتي، لكن الحزن كان أشد حينما أيقنت أنني أهدرت فرصاً كثيرة كانت ستجعل علاقتي بالله أفضل بمراحل.

تذكرت كل المواقف التي كان بيدي أن أنصر الحق فيها وخذلته؛ رعبًا مما يُسمى "مستقبلي"، الذي لم أكن أدرك أنني من الجائز أن يكون نهاية مستقبلي بعد دقيقة، وتذكرت كم دمعة كانت يدي سبباً في سقوطها، أو كانت لها القدرة على إيقافها وكفت نفسها عن ذلك.

تمنيت حينها لو أن لي فرصة جديدة أحاول فيها تجميل ما قبَّحته، وإتمام ما قصَّرت فيه، أدركت وقتها معنى جملة "الحياة لا قيمة لها"، وندمت على أنني اشتريتها بثمن باهظٍ، كنت من الذين قالوا "يا ريت"، لكن قلتها في يوم ينفع الندم فيه، فعلمت أنني يجب أن أصحح مساري قبل اليوم الذي لا ندم فيه ولا رجوع منه.

ورغم قدرتي المحدودة على تقليل نشاط أعضائي إلى حدها الأدنى، لكن لم أستطع أن أوقف عينيَّ وهما تذرفان بالدموع، حتى مرت ساعة وأنا في هذه التجربة الصعيبة، فقررت أن أعود لحياتي مجدداً لكن بإنسان ذي نضجٍ أكبر ونفسٍ أهدأ، لا يهمه في الحياة سوى الآخرة، ويعلم أنه إذا سعُدت حياته حسُنت خاتمته فازدهرت حياته الأبدية بعد ذلك.

وبعد أن قررت عدم استمرار التجربة أكثر من ذلك، وفتحت عينيَّ من جديد شعرت وكأنما قد بعثني الله للحياة مرة أخرى، حمدت الله كثيراً على أنه ما زال في عمري بقية ولو قليلة، خططت لما يجب أن أفعله تعويضاً لخسائري طول عمري التي حاولت حصرها في أثناء حسابي لنفسي دون مجاملة أو تغليب لمصالحي على من سواي، من دون أن أنصر نفسي جوراً على الناس، أو أنتزع أكثر مما أستحق من ثواب.

خرجت من التجربة واضعاً لنفسي أسلوب حياة وهو "نعيش سنين قلائل؛ لنخلد في قلوب الناس أبد الدهر، ستبقى الذكرى وإن فني الجسد"، خرجت من التجربة وأنا في حالٍ أفضل نسبياً، مستعداً أن أكمل حياتي وأنا أكثر نضجاً، ولدي طاقة؛ لأنجز فيها ما كان يستحق إنجازه منذ زمن، وإلى يومي هذا ما زلت مقصِّراً في مناحي شتى، وأتمنى تكرار هذه التجربة؛ لأحاسب نفسي مجدداً قبل أن يواريني التراب ويأتي حساب المَلَكين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.