المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فهد بن يوسف الشريدة Headshot

وداعا فلسطين

تم النشر: تم التحديث:

في يوم 9 يونيو/حزيران من عام 1976م، أعلن جمال عبد الناصر، عبر شاشات التلفاز، هزيمة بلاده أمام دولة الكيان الصهيوني، وقع الخبر كالصاعقة على نفوس العرب، والمصريين تحديداً.

ففي الوقت الذي ادَّعى فيه الإعلامان المصري والعربي، أن النصر كان قريباً، كان خطاب الرئيس المصري آنذاك نقيضاً لذلك الواقع الذي رسمه إعلام بلاده، وفي وقت لاحق من نفس ذلك اليوم أعلن جمال عبد الناصر قرار تنحيه عن الرئاسة، وعن أي منصب حكومي، حين قال: "لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر".

لا يخفى على المواطن العربي، العروبي، أن روح عبد الناصر كانت -ولا تزال- حاضرة وحية في قلوب الأمة العربية، فمواجهة إسرائيل، وإن كانت نكسة، هي شرف ووسام يتزين به المعتزمون دون المتخاذلين.

إن قرار الأمة المصرية بالخروج إلى الشارع والنداء بعبد الناصر ليس إلا دليلاً على شعبيته، العجيب في الأمر، أن عبد الناصر تراجع عن قرار تنحيه عن الرئاسة بعد يوم واحد من إعلان القرار أمام الملأ، ويقال إن رغبة الجمهور كانت الفاصل في هذه المسألة.

ما بعد 76

أدرك رؤساء البلاد العربية والإسلامية أهمية التصدي للعدوان الإسرائيلي، ففي الوقوف بصف القضية الفلسطينية قيمة شعبية لا ينكرها أحد؛ لذلك عزم الزعماء العرب على إطلاق التصريحات الصارخة في وجه العدو الإسرائيلي، لكن هذه التصريحات العربية والإسلامية ضد إسرائيل لم تكن إلا تصريحات وهمية استراتيجية يعلم قائلها مداها وأثرها على شعبه عوضاً على المعنيين بالتصريح. والاستشهاد بالتاريخ خير دليل على ذلك.

حزب الله: لا يمكنني، ولا يمكن لأحد، جحد قوة حزب الله في محاربة إسرائيل، ولكون الحزب مقاومة، فإن قوة حزب الله التي واجهت إسرائيل هي قوة دفاعية كانت نتائجها على الأراضي اللبنانية فقط دون الفلسطينية. ومن الطبيعي أن يتباهى أعضاء وجمهور حزب الله بنتائج الحرب وصرامة الحزب في الدفاع عن أراضيهم دون جيش بلادهم، لكن ما لا يمكننا أن نتبناه هو القول بأن حزب الله شكل خطراً وجودياً على إسرائيل، أو أن حزب الله داعم فعلي للقضية الفلسطينية.

الحقيقة هي أن أثر حزب الله على الأمن القومي لإسرائيل أقرب للعدم منه إلى الوجود.. فقط تذكر أنه مضى على تنحي إسرائيل عن جنوب لبنان قرابة الست عشرة سنة، عقد ونصف من الزمن، توسعت فيه إسرائيل على حساب الأراضي الفلسطينية، عن أي دعم يتحدث به مناصرو حزب الله؟ وعن أي تهديد يتباهون به؟

صدام حسين: بعد فشل العراق باحتلال الكويت عام 1991م، وبعد أن تلقى صدام حسين نقداً عربياً صارخاً على ما فعله، عزم الرئيس الراحل على استعادة شعبيته بين قلوب ناقديه من الأمة العربية، حينها فقط، أرسل صدام حسين مجموعة صواريخ قصف بها عدة مدن إسرائيلية. وحينها فقط، اتهمت المملكة العربية السعودية والخليج بأنهم أعوان للكيان الصهيوني؛ لأنهم حاربوا من قصف إسرائيل، أي أنهم حاربوا الرجل الذي كان يشكل تهديداً وجودياً على الكيان الصهيوني. صحيح، يمكن القول إن هدف صدام حسين من ضرب المدن الإسرائيلية كان نصرة الشعب الفلسطيني،

لكن لماذا ذلك الوقت تحديداً؟ وهل تكون نصرة فلسطين على حساب هدم إسرائيل؟ أم بناء دولة فلسطينية يمكن لمتابع الشأن العربي أن يفسر ما فعله صدام كيفما أراد، لكن الحقيقة واحدة: شعبية صدام حسين زادت عند ضربه لإسرائيل مثلما زادت شعبية حزب الله عند مقاومته للتمدد الصهيوني.

الواقع هو أن فلسطين لم تعد إلا مقاطعة على بحر وزقاق يتخلل المستوطنات الإسرائيلية، ليس للفلسطينيين أرض يمكن أن يبنوا عليها دولة، رغم ذلك، نسمع أن بعض الأحزاب العربية والإسلامية تتوعد إسرائيل بالويل وتوعد ببناء دولة فلسطينية على أراض مسلوبة قد سكنها من سكنها ورحل عنها من رحل... مهزلة.

أما الحقيقة العظمى فهي أن لا أحد يهتم بفلسطين، فكل صائح و"مناضل" للقضية الفلسطينية لا يطمح إلا لزيادة شعبيته، والدليل على ذلك حال الفلسطينيين وحال فلسطين في الأربعين عاماً التي مضت.

المعلوم أن الحرب الخارجية أصبحت لا تجدي نفعاً، ولا ينتج عنها سوى الدمار والخراب؛ لذا، فالوعود التي تأتي من الأطراف العربية بنصرة القضية الفلسطينية يجب أن تحتوي على استراتيجية لمكافحة الكيان الصهيوني من الداخل دون الخارج، فالحرب الفعلية هي الحرب التي تبنى من داخل إسرائيل وعبر المؤسسات الحكومية الإسرائيلية والكنيست ضد حكومتهم.

عرب إسرائيل (الفلسطينيون) هم المجاهدون، وهم من بيدهم نقض الكيان الصهيوني بطرق تشريعية بناءة غير هادمة، فإسرائيل، شئنا أم أبينا، دولة ذات مؤسسات يمكن تغيير نهجها جذرياً عن طريق الإعلام الداخلي لديها، الذي بدوره يمكن أن يقتل الفكر اليميني المتطرف في البلاد.

إن القضية الفلسطينية-الإسرائيلية ليست قضية وجود، أي أن القضية لا تكمن في زوال الآخر، القضية الفلسطينية-الإسرائيلية هي قضية حقوق ومطالب. متى ما ضمنت الحقوق لكلا الطرفين، عاش الطرفان بسلام، فاليهود والمسيحيون والمسلمون الذين تعايشوا بسلام من قبل إسرائيل، يمكن لهم أن يتعايشوا بسلام من بعد فلسطين طالما ضمنت حقوقهم وعاداتهم وتساووا في المواطنة تحت أي دولة وحكومة كانت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.