المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فادي عمروش Headshot

الدوبامين وفيسبوك.. وما يطلبه الجمهور

تم النشر: تم التحديث:

مع انتشار وسائل الإعلام الاجتماعيّة مثل فيسبوك، تويتر، وغيرهما، أصبحت هذه المنصّات أداة توليد للمحتوى، وإبداء للرأي لمعظم الأشخاص، وشكّلت نافذة جديدة للإعلاميين والصّحفيين، وغيرهم من المشاهير، لإبداء رأيهم بالأحداث الرّاهنة، بالإضافة إلى نشر آرائهم، وقياس ردّات فعل الجّمهور عليها.

يتفاعل متابعو كلّ صفحة مع المنشورات الواردة فيها، سواء بالإعجاب، التعليق، أو المشاركة. يبدو الأمر للوهلة الأولى مفيداً، فالإعلاميون والمشاهير لديهم القدرة على معرفة رأي عدد هائل من المتابعين أو المعجبين بما يكتبونه، ولديهم القدرة على سبر رأي النّاس بعبارة أخرى إذا كان يهمّهم ذلك.

بدايةً، لنتساءل: لِمَ نكتب أصلاً عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، ولِم نعبّر عن رأينا بكثرة هذه الأيام، ونتحدث عن أنفسنا. تشير الدّراسات إلى أنّنا في العادة نكرّس ما بين 30% -40% من أحاديثنا في الحياة العاديّة للتّكلّم عن أنفسنا، ولكن الأمر يختلف تماماً عندما نتواجد على صفحاتنا الشّخصيّة ضمن مواقع التّواصل الاجتماعي، إذ يرتفع هذا الرقم إلى 80%. يعود السبب في ذلك إلى أننا حين نتحدّث وجهاً لوجه، قد نرتبك، ولا نملك الوقت الكافي لنفكر فيما نقول، كما أن علينا أن نقرأ تعابير الشّخص الآخر، وحركات جسده، واستنتاج ردّات فعله. أمّا على صفحاتنا الشّخصيّة فنحن نملك كل الوقت للتّفكير، ولصياغة ما نكتب، وتعديله عدّة مرّات، ولنقدّم أنفسنا كما نريد للآخرين أن يروننا. جرّب أن تعود لما كتبته سابقاً ضمن صفحتك على فيسبوك، وأن تراقب الإعجابات والتّعليقات التي حصلت عليها، لا شكّ أنك ستشعر بالنّشوة، وستشعر بتقدير نفسك، والإعجاب بما كتبته.

دعونا ندخل أكثر في فهم ما يحدث داخل دماغك، وما الذي يفرزه الدّماغ عند إعجاب الآخرين بما تكتب؟ وكيف يجعلك ذلك مدمناً لا إراديّاً عليها؟ تشير الدّراسات إلى أنّ الاستخدام المستمر لمواقع التّواصل الاجتماعي سيؤدي إلى إدمانها، والاستمرار بالدّخول عليها.

كم مرّة حاولت أن تبتعد عن حسابك الشّخصي في فيسبوك أو تويتر؟ وانتهى بك الأمر أمام شاشة الحاسوب تتصفح أحدهما. ألم تتساءل ما هو السّر، لِم من الصّعوبة أن نقلع عن استخدامهما؟ يعتقد العلماء أنّ المتّهمَين الأساسيَين هما مادتا الدّوبامين والإكسوتوسين اللّتان يفرزهما الدّماغ، لذلك لابد من إلقاء نظرة عن قرب عليها.
إنّ المتّهم الأوّل هو مادة الدّوبامين الّتي يفرزها الدّماغ عند الشّعور بالسّعادة والمتعة، وليس هذا فحسب, وإنّما هي المادة المسؤولة أيضاً عن خلق الرّغبة والدّافع، وبسبب الدّوبامين فنحن نسعى ونرغب ونبحث. يتمّ تحفيز إفراز الدّوبامين عن طريق المفاجآت، المعلومات الصّغيرة، تقدير الآخرين لك، حصولك على جائزة ما, أو ليس هذا ما نجده في فيسبوك وتويتر؟

فالمعلومات الصغيرة عن طريق تغريدات سريعة، تقدير الآخرين السّريع من حيث الإعجاب بما كتبت، التعليق على ما كتبت، الحصول على جائزة من خلال مشاركة الآخرين لما تكتبه. بعبارة أخرى، كلّما احتاج الدّماغ للدّوبامين سيجد نفسه لا إرادياً يتّجه إلى فيسبوك، لكتابة منشور، والحصول على التّقدير من الآخرين، ومن ثم زيادة إفراز الدّوبامين، والشّعور بالسّعادة والنّشوة. إنّ جرعة الدّوبامين الّتي يتمّ إفرازها في الدّماغ أثناء استخدامنا لشبكات التواصل الاجتماعي تجعل الإقلاع عنها أصعب من الإقلاع عن التّدخين، أو حتى عن المشروبات الكحوليّة.

إنّ المتّهم الثّاني هو مادة الأوكسيتوسين، الّتي يتمّ إفرازها في حالة الحب، كما أنّه يسمّى أيضاً "هرمون العناق"، وذلك لأنّه يتمّ إفرازه عندما نعانق أو نقبّل أحداً ما، أو حتّى عندما نكتب تغريدة على تويتر. تشير إحدى الدّراسات إلى أنّ استخدامنا للشّبكات الاجتماعيّة لمدة عشر دقائق يرفع مستوى الأوكسيتوسين بنسبة 13%، ولتخيّل ذلك، هذا يعادل نفس الارتفاع الذي يحصل عند بعض الأشخاص في يوم زفافهم.

لفهم ذلك أكثر، تخيّل نفسك تتصفح فيسبوك مساءً: مشاعرك هادئة، تشعر بالطمأنينة، تتعاطف مع منشور أحدهم، تضع له إعجاباً تقديراً له، تشارك لآخر منشوراً لم تقرأه، لأنك معجب بشخصيته لا بمحتوى المنشور. تشعر بأنّ النّاس جديرون بالثقة، ولربما تصدّق ما يكتبون دون تدقيق أو تمحيص. حسناً هذا كله بسبب ارتفاع الأوكسيتوسين لديك، إذ تشير دراسة إلى أنّ مستخدمي الشبكات الاجتماعية يثقون بالنّاس أكثر من غيرهم، على الأقل هذا ينطبق على 43% من مستخدمي فيسبوك.
مما سبق، ومع زيادة إفراز الدوبامين والأوكسيتوسين، نحن نقع لاإرادياً في فخّ كتابة المنشورات التي تتوافق مع ما يطلبه الجّمهور. نحن نكتب الآراء التي تتوافق مع الجمهور الذي يقوم بمتابعتنا، لأن موافقة رأيه تعني أنّ تزيد الإعجابات والتعليقات والمشاركات، ممّا يعني زيادة في الدّوبامين، وشعوراً أكبراً بالسّعادة والّنشوة.

وبرأيي أنّ المشكلة تتفاقم، كلما أدمنّا هذا الشعور، إذ يصبح من الصعب التخلّي عنه. جرّب مرة أن تبدي رأيك، وأن لا ينال التقدير أو الإعجاب من الآخرين، وأن لا يؤدي إلى رفع الدّوبامين في جسمك، ستشعر بشعور غريب يشبه شعور مدمن المخدرات الذي يشعر بحكّة بسبب تأخر الجّرعة. ما سيحدث لاحقاً، سيتخلى الشخص لاإراديّاً عن إبداء رأيه الحقيقي، حتى لو كان يعتقد أنه مصيب ومحق به، وسيكتب ما يطلبه الجّمهور.

ولكن هل يمكن تجنّب ذلك، برأيي الشخصي أنه عندما تريد رفع الدوبامين لديك، انشر صورة شخصية لك، أو صورة لك في مؤتمر ما، أو صورة لإنجاز ما حققته، عندها ستحصل على عدد كبير من الإعجابات، وسترفع الدّوبامين بأمان، ذلك أفضل بألف مرّة من كتابة ما يطلبه الجّمهور، لأنّك إن وقعت في هذه الحفرة فلن تخرج منها بسهولة.

تم نقل المعلومات العلمية، والأرقام في هذه التدوينة من محاضرة Courtney Seiter ضمن مؤتمر Mozcon على هذا الرابط

http://www.slideshare.net/Bufferapp/the-psychology-of-social-media-mozcon-2015-51015175?ref=https://blog.bufferapp.com/psychology-of-social-media

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.