المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فضيلة الظهوري Headshot

نور المجهر لنور المخبر

تم النشر: تم التحديث:

اشتقت لصباحيات يناير، اشتقت لتلك الأيام، أستيقظ في صباحها الباكر، وأتجهز وأسرع للمختبر، لكي أتأمل وأتدبر مخلوقاً صغيراً جدًّا، دُرِّس في علم الجينات أكثر عن مئة عام، و حصل الكثير من العلماء على جوائز نوبل إثر اكتشافاتهم فيه، حتى أصبح أحد الكائنات النموذجية للدراسات الأحيائية، وما زالوا في بحث مستمر في جيناته يفكون الشيفرات الوراثية لإيجاد حلول لمسائل شتى والذي بدأ مسيرة أكثر عن مئة عام!

كلما رأيته تحت المجهر اقشعرّ جسمي ودمعت عيني واستغرب عقلي ودُهِش، أكبّر وأصغّر بعدسات المجهر وأغوص متأملة في جمال وعظمة الخالق فيه، تارة أدقق بألوان عينيه التي تتدرج بين الأحمر الغامق واللون الأبيض الناصع، وتارة أخرى أتأمل بجناحيه الشفافين وبانعكاس الضوء عليهما، ترى طيف الألوان تتشكل، وتفاصيل أخرى لا أقول إلا سبحان الله تعالى، وهذا المخلوق ليس إلا كائناً صغيراً جدًّا لا نلقي له بالاً في معظم الأحيان ويسمى بـ "ذبابة الفاكهة" ، (كما هو موضح في الصورة) نعم هي، فما العظيم يا ترى بذبابة الفاكهة ولم أذكره هنا؟

2016-04-01-1459538561-1238505-IMG_0313.JPG

السبب يكمن بتلك الآية القرآنية التي ترددت على خلايا مسمعي وقلبي وروحي، آية 73 في سورة الحج تذكر الذباب، دائماً كنت أسمعها بتلاوتها العطرة في هذه الصباحيات عندما أتأمل ذبابة الفاكهة تحت المجهر، حيث يقول الله سبحانه وتعالى فيها

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿الحج 73﴾.

فخالج قلبي وعقلي السؤال، يا ترى لم الذباب؟ فشمرت عن ساعدي وقلت لنفسي: "يا فضيلة هلمي واجمعي كل ما ذكر في تفسيرها من العلماء الأوائل والأواخر، سواء كان من المقروء من كتب كتفسير الطبري والجلالين وابن الكثير وفي ظلال القرآن، أو مسموعاً كتفسير الشيخ الشعراوي وأستاذ نعمان علي خان"

وبالفعل فعلت! فأذهلني أيها القارئ ما قرأت وما سمعت، فاسمح لي أن أسطر أحرفي، مبينة لك شدة شعاع نور هذه الآية وما رونقت به قلب أمة ربها عز وجل، لست بعالمة تفسير لكنني أحببت أن أشاركك ما توصلت إليه لكي تتلمس ما طفق في قلبي من إجلال للرحمن في تدبر هذه الآية الجليلة وفك الأقفال عن قلبي، فهلم معي أيها القارئ في جولة إيمانية نبحر في تفسير هذه الآية العظيمة!

ينادي الرحمن في بادئها بـ"يا" و"أيها" ليسمع البعيد والقريب ما سيقول العظيم، فينادي "الناس" جميعاً المسلم، المسيحي، اليهودي، اللاأدري، الملحد.. وغيرهم من أصناف البشر، فشد الانتباه بشتى الصور و قال "ضُرب مثل" لما في الضرب من صوت يشد إذا وقع وغيب ضارب المثل "الله" لكي يستبعد حكم الناس إذا ما سمعوا اسم القائل، فلم يقل ضرب الله مثلاً بل "ضُرب مثلٌ" ليبين الحجة في هذا المثل، ويقنع به البشر ويؤكد بقوله "فاستمعوا له" مبيناً مدى أهميته، فما هو ذاك المثل؟

"إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ"

يؤكد الله للناس في المثل أن ما يدعون من دونه من أوثانٍ لن يستطيعوا خلق هذا الكائن الصغير الحقير مهما حاولوا، وفي السابق كانت الأوثان أوثاناً من أحجار، لكن في زماننا تقولبت الأوثان واتخذت أشكالاً وصوراً عدة، فهناك مَن وثنه الأشياء فقلبه متعلق بذاك اللباس أو ذاك المركب إلا ويريد اقتناءه مهما كلفه الأمر، وهناك من وثنه الأشخاص فلا يرد له كلام فيصبح عبداً مملوكاً لهذا الشخص سواء كان حاكماً، عالماً، أو غيرهم، ويتعامل معهم كأنهم ملائكة على وجه الأرض فقدسهم وسلمهم زمام أموره.

ومنهم من وثنه الأفكار فيتخذها الحصن المنيع، الحد الفاصل لحياته كأفكار الفلسفة والعلوم، ويجعل نفسه مقيدة بها لا يرى إلا هي، وتصبح معيار القبول أو الرفض لقوانين حياته، وهنا تحدى الرحمن عُبَّاد هذه الأوثان بصورها الشتى بأن يخلقوا ذباباً، لكنهم لم يستطيعوا حتى "لو اجتمعوا له" فإنهم عاجزون، ومن ثم ارتقى الرحمن بالتحدي وسهله بقوله: "وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ"، أي إذا لم تستطيعوا أن تخلقوا الذباب فاستنقذوا ما سلبتكم إياه حتى هذا الأمر عاجزين عنه.

وهنا أقف معكم وقفة بيولوجية لأبين العظمة في دقة اختيار كلمة "يستنقذوه"، فمما عُلم في الأحياء أن الذبابة عندما تقف على طعام ما كالموز مثلاً، فإنها تفرز اللعاب المكوّن من أحماض بمختلف أنواعها، وبه تتغير المادة كلها تغيراً جذرياً خارج جسمها أي أنها تقوم بهضم الطعام هضماً خارجياً ثم تمتص المادة المتكونة بفمها الذي يشبه الماصة فلا يستطيع أحد أن "يستنقذ" هذا الطعام أو يعيدها سيرتها الأولى مهما استخدموا من آلات حديثة دقيقة فلا يمكن ذلك، فسبحان الله الدقيق في وصفه، سبحان الله الخالق العظيم.

لكن يبقى السؤال: ما الغاية من ضرب هذا المثل؟
الدرس جُلَّه وكله يكمن في النهاية العظيمة للآية الكريمة: "ضعُف الطالب والمطلوب".. قال بعض المفسرين قصد بالطالب الصنم والمطلوب الذباب، والبعض الآخر قال الطالب هو العابد (لغير الله) والمطلوب هو المعبود (من دون الله)، كلاهما صحيح والأقرب للفهم المعنى الثاني، فإذا لم يدرك الطالب مطلوبه يستجن ويفقد عقله تماماً، وهنا استخدم الله عز وجل كلمة "ضَعُف" ولم يقل ضُعّف؛ لأن الضعف هو أصله، فلم يكن الطالب أو المطلوب قويين قط، بل أساسهم هو الضعف.

سمعت من أستاذ "نعمان علي خان" قصة طالب في السبعينيات كان يدرس في جامعة في نيويورك، حيث سلم الطالب مشروع تخرجه للدكتوراة الذي عمل عليه لمدة خمس سنين، وبعد أيام من تسليمه سمع الخبر أن النسخة التي سلمها فُقدت ولم يتم العثور عليها، والطامة أنها كانت النسخة الوحيدة التي يملكها فأصابته صدمة شديدة فقد عقله تماماً على إثرها، وأصبح كالمجنون يحوم في ساحة الجامعة يحذر الطلبة قائلاً: "لا تذهبوا إلى هذه الجامعة فإنهم يسرقون جهودكم كلها"، إلى أن دخل مستشفى الأمراض العقلية، حمانا الله وإياكم. فهذا الطالب مطلوبه هو هذا الإنجاز، تشرب عقله وقلبه وروحه لدرجة أن بفقدانه فقد عقله.

لذلك أيها القارئ، هذا القلب والعقل والروح لا بد أن يكونوا طالبين للقوي المنان ذي الجلال و لإكرام، وأن هذا القلب إذا وحد غيره لكان في خسران مؤكد محتم وبه يختم على قلبه بالضعف؛ لأنه طلب الضعيف، لكن يكون هذا القلب قويًّا إذا ما اختار وعبد وسجد ووحد القوي "الله" سبحانه وتعالى، فغاية الآية هي تثبيت وحدانية الله عز وجل في قلوب البشر فاسأل نفسك أيها القارئ هل سجد قلبك بإخلاص في محراب وحدانيته؟

فهذه الصباحيات المختبرية جعلت قلبي يسجد لله سبحانه وتعالى إخلاصاً له، والعلم بمخلوقه الصغير هذا غمر قلبي باليقين، أسأله أن يثبت قلوبنا على وحدانيته وأحمده حقًّا لذاك الشعاع، نور المجهر الذي نور لي المخبر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.