المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عز نجاح محمد Headshot

يناير.. حين ثار الحرافيش

تم النشر: تم التحديث:

يناير/كانون الثاني من عام 2011، مبارك وقد أنهى لتوّه برلماناً مثالياً تأهباً للمرحلة القادمة، مدللاً على إمساكه بمقاليد الأمور بعبارته الخالدة "يا راجل.. كبَّر مخك"، الوريث المحتمل وقد بدا منهمكاً في إعداد نفسه، والمعارضة وقد تكلَّست، والسياسة وقد تردَّت، وليل القاهرة وقد بات منقسماً بين صخب التوك شو ودراما أهل كايرو الآسرة، والوطنية وقد اختزلت في منتخب مصر " الكويس" زي ما قال "الريس".

أنباء متناثرة من تونس عن شاب أضرم النار في نفسه احتجاجاً على تردي الأوضاع، مشعلاً بذلك ثورة عمت البلاد مؤدية في نهاية الأمر بإزاحة طاغوت جثم على صدور البلاد والعباد.

كهنة النظام وقد بدأوا لتوّهم في التهديد من استنساخ التجربة في مصر؛ حيث لكل تجربة خصوصية لدرجة أن أحد أبواق النظام -وكل نظام- يطمئن المصريين بقوله "المجتمعات الأكثر أميَّة أكثر مناعة ضد الثورات"، معللاً قيام الثورة في تونس لوجود نخبة أكثر تعلماً وانفتاحاً من نظيرتها في مصر.

غيرة تتملك نخبة شابة في القاهرة، وقد بدت أكثر نضجاً متسائلة: "لمَ لا نفعلها؟"، وتوقيت يبدو مثالياً على الأبواب في الخامس والعشرين من يناير؛ حيث عيد الشرطة الذي تحوَّل لعيد الثورة لاحقاً.

تلتقي الجموع دونما ترتيب بأجندة مطالب محدودة السقف، لكنها حماقة كل مستبد حين يخطئ التقدير.

* الخلاف.. (قديم - قديم)

"تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقونا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى ندرك مثل هذه؟".

أبو جهل وقد أوضح لتوه عمق الخلاف مع الرسالة الناشئة آنذاك، ثم يستطرد - بمنتهى الاتساق مع النفس - دافعاً تهمة الكذب عن عدوه الألد (محمد): "ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟".

قريش ووجهاؤها بدوا منزعجين من رسالة جديدة تخاطب أفئدة لطالما تاقت للتحرر من أسر الاستبداد، مذعورة من دعوة تؤسس لعقد اجتماعي جديد وطبقة اجتماعية آخذة في التشكل، من دعوة تضع بلالاً بمساواة أمية دون ثمة تمييز إلا بالتقوى والعمل الصالح، من دعوة كفن أصحابها أرواحهم لتمر للناس كاملة غير منقوصة، من دعوة بدت الصدارة فيها للكفاءة لا الثقة وللعلم لا للخرافة، من دعوة وضعت اليتيم محمداً على الصدارة دون أي رجل من القريتين عظيم.

"وقد كانت رسالة محمد أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي، وكان جند القرآن أعدل رجال وعاهم التاريخ وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدين وكسر شوكتهم طاغية إثر طاغية".

وكذا كانت يناير في عمقها تصدراً للحرافيش وخفوتاً للمستبدين ولو لحين.

* أنَّى لهؤلاء حكم مصر؟!

لم تكن ثورة يناير سوى إيذان بأن ثمة نخبة جديدة آخذة في التشكل، نخبة من طين مصر وترابها وأزقتها وحواريها في خروج لافت على قواعد صناعة النخب في مصر، وهو ما يبدو أزعج الأسياد القدامى الذين تمرسوا على الحكم والأمر والنهي حتى بات الكرسي والروح لديهم متلازمين لا ينفكان.

"حافظوا على السجاد اللي في القصر.. ده غالي جداً"

قالتها أحد عتاة نظام مبارك وكل نظام بلغة متعجرفة حقودة في أعقاب لقاء في قصر الرئاسة وقتما كان مرسي رئيساً لمصر.

هالها أمر الفلاح الذي تبوَّأ مقعد الرئاسة عبر واقع فرضته ثورة مجيدة، فأخذت العجوز في الهمز واللمز والتندر على الحال البسيطة لحكام مصر الجدد وبداخلها وعيد بأن هؤلاء الأغراب لن يسكنوا القصر طويلاً.
المدهش أن حديثاً كهذا يصدر من أناس تمرسوا على معرفة "الثمن" دون إدراك "القيمة".

"كل مبررات الثورة على مبارك تتوافر في نظام السيسي، والربيع العربي لم يمت، والفترة التي نعيشها هي بداية التغيير لا نهايته، والسجون المصرية هي المولد الأكبر للتطرف".

لن تخفي إعجابك بكلمات كهذه يدلي بها المهندس أحمد ماهر من محبسه، وهو القادم من القاهرة بملامح تلخص مكابدة الشباب في مصر.

لم يتملق الشاب سجانه، ولم يتزلف لجلاده، بل كان بإمكانه الإنصات لسدنة فقه المواءمات ومجاراة الموج الذي يبدو كاسحاً، لا سيما أن بعضاً من رفاق دربه قد هالهم ضوء الحكم، لكنها عزة الثورة حين تتمكن من نفوس المؤمنين.

خالد علي.. الحقوقي البارز والقادم من قرية قد تسمع عنها للمرة الأولى "ميت يعيش" بالدقهلية، والذي امتهن في بداية حياته مهناً كحمل الأرز وفي مصنع للبسكويت وفي مقهى قبل أن تجتذبه الثورة بندائها الآسر.

توليفة من البساطة لم تحُل دون أن يطوف المكتبات، ويُحضر الموسوعات، ويُحاجج الفقهاء، ويقف أمام الدولة بقضائها وكهنتها دون أن يأبه بحديث المؤامرة ودواعي التثبيط؛ ليُثبت أن الأرض مصرية، وأن دماء الأسلاف لن تذهب سُدى، وأن يناير كانت بعثاً للكرامة والعرض والحرية.

أبو تريكة.. تاجر السعادة كما يصفونه، الذي ألهبته حرارة مصانع الطوب قبل أن تجتذبه كرة القدم، ظل قاسماً مشتركاً في كل إنجازات الكرة في مصر، غزا البيوت بأخلاقه قبل مهارته، ومواقفه قبل أهدافه.

بلا شك صفات كتلك كفلت ليد المستبد أن يرميه بتهمة الإرهاب في صفعة لكل الكادحين والآملين في تبوّؤ موقع الأسياد.

"فالجيل الأصغر - الذي هو عماد ثورة يناير - جيل منفتح على العالم، أكسبه هذا الانفتاح ثقة كبيرة بالنفس، ولهفة على تحقيق التقدم لبلده، وقد أدت به هذه الثقة إلى أن تنطوي نفسه على مزيج رائع بين الرغبة في التقدم وبين احترام تراث بلده وتقاليد أسرته، فالجيل هذا هو الأكثر نقاء، والأشد كراهية لكل أنواع الزيف، وهو الذي تنعقد آمالنا عليه".

المفكر جلال أمين وهو يفسر لنا (لِمَ الأسيادُ دوماً في نقمةٍ على العبيد؟).

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.