المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عز الدين الكومي Headshot

إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي؟!

تم النشر: تم التحديث:

القضاء حصن وأمان لأفراد المجتمع، الذى يريد العيش بسلام واطمئنان؛ لأن الغاية من القضاء هي إقامة العدل بين الناس، لذلك يلجأ الناس إلى القضاء؛ لرفع الظلم عنهم وإعادة الحقوق لأصحابها، فمهمة القاضي أن يقتص من الظالم، وإنصاف المظلوم، فإذا اهتز نظام القضاء فسوف يهتز المجتمع، ويسقط أخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً!

وكما هو مُشاهَد اليوم، في ظل النظام الانقلابي، أصبح القضاء عصا النظام الغليظة، التي يعاقب بها من يعارضه.

فقد قرأت رسالة الأخت خديجة خيرت الشاطر، والتي حملت عنوان"في وقاحة منقطعة النظير"، حيث شرحت المعاناة التي يلقاها أهالى المعتقلين، لرؤية ذوويهم بعد حرمانهم من الزيارة عاماً كاملاً!

حيث قالت: "ندخل القاعة لرؤيتهم خلف زجاج عازل كاتم للصوت، وعاكس للضوء، ويؤسفني ما سأفصح عنه، ولكن ليعلم الجميع عصور الحرية والعدل التي نحياها! بعد تفتيش مهين بمعنى الكلمة؛ لما به من تحرش سافر وخادش للحياء، إذا بالمفتشة التي تقوم بالتفتيش تطالب إحدى بناتنا بخلع غيارتها الداخلية أمامها؛ للتأكد من أن الفوطة الصحية ليست شيئاً مهرباً!

رفضت ابنتنا الغالية، والدموع في عينيها وخرجت من الغرفة في اتجاهها خارج المعهد؛ لأنها لن تقبل أن تنزل على طلب المفتشة، لم أتمالك نفسي من الذهول والدموع في العيون.

قلت في نفسي: لعل الفتاة أخطأت الفهم، فذهبت أسال المشرفة لتردَّ بابتسامة خبيثة: أيوه، لوعايزه تدخل، تقلع، غير كده مفيش.

أما الضباط فينظرون قائلين: لو رفضتم التفتيش اخرجوا من هنا، قلت للضابط: نحن لم نرفض التفتيش، ولم نرفض التحرش الصارخ المهين الذي يتم كل مرة!

فردَّ متهكماً: أنت في محكمة مش مول!
قلت له: أترضاه لبناتك وأهلك؟
قال لي: لو كانوا أهلي كنت أمرتهم ألا يحضروا لي في محبسي.
قلت له: وماذا لو هم ممنوعون بالأعوام عن رؤيتهم حتى نسوا ملامحهم.
قال: هذا هو النظام وشرط الدخول.
قلت له: في أي أعراف، وأي دين، وأي قوانين ما تطالبون به؟! فيمنّ علينا بأن المفتشة امرأة!".

وتختتم رسالتها بقولها: "إني اليوم أحكى الأمر، ليعلم الجميع ما وصل إليه الإسلاميون من غربة وإيذاء وإذلال، وأي فُجر في الخصومة يمارسه عبيد السلطة وأحفاد القردة والخنازير!".

أختاه كما ذكرتِ، إنه ابتلاء ابتُلينا به، أن يتحكم فينا أمثال هؤلاء، فقد ورد أنه بعد أن تجبّر البرامكة حينما كانوا وزراء لبني العباس، ثم عُزلوا وسُجنوا وقبعوا في السجون المظلمة التي طالما حبسوا فيها غيرهم، قال ابن يحيي البرمكي لأبيه: يا أبتِ، بعد العز أصبحنا في القيد والحبس، بعد الأمر والنهي، صرنا إلى هذا الحال؟! فقال: يا بُنِي، دعوة مظلوم، سَرَتْ بليل، ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها!

وما حدث مع القاضي المعتزلي "أحمد بن أبي داود"، الذي كان أحد رؤوس الفتنه في عهد الواثق، والذي كان يُفتي بضرْب العلماء وسجْنهم وقتْلهم، فسُئل بعد أن قتَل الواثقُ، الإمامَ أحمد بن نصر الخزاعي، فقال: ضرَبني الله بالفالج؛ أي: الشلل، فشاء الله تعالى، أن يُصاب بالفالج، فمكَث 4 سنوات، قبل موته طريحاً في فراشه، كما تسبب في حبس الإمام أحمد وتعذيبه، وعزله المتوكل من وظيفته. تسبب أيضاً في فصْل عشرات ومئات الأشخاص من وظائفهم، كما أمَر المتوكل بمُصادرة جميع أمواله.

ومن الذين جعَلهم الله عِبرة لغيرهم في هذه المِحنة: الجلادون الذين كانوا يَضربون الإمام أحمد بالسياط، فكان منهم رجلان: "أبو ذر، وأبو العروق"، أما أبو ذر، فكان ممن يضرب الإمامَ بين يدي المعتصم، فأُصيب بالبَرص والمرض، وتقطَّع جسمه، وأهلَكه الله بسوء عمله. وأما أبو العروق، فكان هلاكه أسوأَ من صاحبه، فمكَث خمسة وأربعين يوماً يَنبح كما يَنبح الكلب، ابتلاه الله بمرضٍ، فصار يَنبح كالكلاب، فهل نفع الجلادين أن يقول أحدهم: أنا عبدٌ مأمور!

وقد يتمادى بعض الظالمين في ظلمهم، لكن الله لا يهمل؛ بل الله يَحْلُم ويستر ويُنظر، لكن لا يترك ولا ينسى، فليعلم المظلوم أن هلاك الظالمين مؤكد، لكن وقت حلوله مجهول لنا، قد لا ترينه أختاه، ولكن عين التاريخ ستسجله.

إذ إن في عدم تعجيل العقوبة للظالم، حكمة يعلمها الله، مثل أن يستدرجه ليأخذه على أقبح حال، أو لياخذه على حين غرة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" (سورة هود: 102).

كما أن تأجيل أخذ الظالم يكون أحياناً ليستحكم العذاب عليه يوم القيامة، حيث يموت في أوج قوته فيكون موته هو الأخذ والعذاب ينتظره أمامه، كما قال تعال: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء" (سورة إبراهيم: 42-43).

أختاه: وأين هذا السجان الأحمق، وهذه المفتشة الخرقاء، من تجبُّر حمزة البسيوني مدير السجن الحربي في عهد الطاغية عبد الناصر، والذى بلغت به الوقاحة أن يقول للمعتقلين: لو نزل ربكم من السماء لأسجننه معكم في الزنزانة! فماذا فعل الله به؟! اصطدمت سيارته بشاحنة محمَّلة بالحديد فدخلت أسياخ الحديد في رقبته وجسده وجعل يخور كالثور، فما استطاعوا أن يخلصوا جسده من أسياخ الحديد التي نشبت به إلا بقطع رأسه؟

أختاه: إن دعوة المظلوم إذا خرجت من قلبٍ قد اكتوى بنار الظلم، فكأنما تخرج ناراً مستعرة، وتخترق الحجب؛ لأنه ليس بينها وبين الله حجاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.