المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد السمان Headshot

لا ألعاب تجمعنا في حديقتنا السورية!

تم النشر: تم التحديث:

قليلٌ وستعود جدليات الوطنية، المتمثلة في المنتخب السوري الذي يلعب بملحق التأهل لكأس العالم في روسيا العام المقبل. وللمصادفة أن يصل الفريق السوري لهذه المرحلة لأول مرة في تاريخه ليتأهل للبطولة التي ستقام على أرض عرّاب الشأن السوري روسيا.

كما في كل شيء، تباينت وجهات نظر السوريين حول الفريق المفترض أنه ممثل لسوريا، بتجاوز الخلاف الرئيسي بين المؤيد لنظام الأسد ومعارضيه، منه إلى مستوى آخر من التباين حيث تمايزت وجهات النظر فيمن يرى أن الرياضة يجب أن تكون بمعزل عن السياسة، وبالعكس يجب استغلال الرياضة لِلَئْم جرح السياسة وإصلاح ما أفسدته الحرب- تلك الحرب التي استهلكت من السوريين أقصى ما يمكن أن يدفعه شعب.

وبين وجهة نظر أخرى ترى أن الفريق الذي يحمل العَلم ذي النجمتين والذي يرفعه النظام وهو ذاته المعتمد في المجتمع الدولي الآن، فقد رأت أنه ليس امتداداً لمؤسسات النظام والدولة وما فيهما من ذكريات الظلم، وبين وجهة نظر أخرى قالت إنها تبحث عن فرحة أياً كانت، المهم أن تكون تحت مسمّى الفرح وتغيير الحزن الجاثم على وجوه السوريين منذ سنين.

قد يكون أصل الخلاف والاختلاف صناعة محلية سورية، فمن قرأ ويقرأ بالرأي العام في الشأن السوري، سيجد كمّاً من اختلاف الآراء وتباين وجهات النظر في أصغر الأمور، قد تكون حالة صحية بمكان، ولكن أيضاً هي دليل على شرخ أكبر في البيئة الأساسية بالعقلية السائدة، ودليل على مدى الصعوبة التي سيواجهها هذا الشعب في إعادة بناء أي شيء ممكن بناؤه.

ومن جديد، تغيب النخب الثقافية عن لعب دورها في رسم صورة واضحة للمجتمع، تحاول من خلالها وضع إطار يكون من خلاله العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي السوري، وهذا لم يحدث، ويبدو أنه لن يحدث على الأقل في المدى المنظور، ما دام هذا الانشقاق هو عنوان المرحلة وشعارها.

لمن أراد مراجعة ومناقشة التباينات في وجهات النظر تلك، فلكلٍّ منها مبرراتها وخلفياتها المنطقية، كل بحسبِ من آمن بها ومَن طرحها. قد رأى طرف ما أن هذا المنتخب ليس سوى مكمّل للسلسلة القمعية التي عُرف بها النظام على مدى تاريخه، فأين هو الفرح لمن يؤيده؟ وفي الوقت نفسه في أثناءِ كل مباراة هناك سوريون آخرون يُقتلون ويُعذَّبون ويُنتشلون من تحت الأنقاض في حرب لم تترك لأيٍّ من قيم الإنسانية شيئاً يذكر، وأيضاً.

كيف يقف هذا المنتخب ويردِّد النشيد السوري المُتَغني بحُماة الديار وهؤلاء هم أنفسهم من سرقوا و"عفشوا" كل دار دخلوها وكل شارع اقتحموه؟! كيف هم حماة الديار وفي سجلاتهم تدمير بِنىً لمدن وقرى بكاملها؟!

رأي يرى أن هذا المنتخب ليس إلا رقماً جديداً لفرع أمني جديد أو فرقة حزبية أخرى، ليرد رأيٌ آخر يرى أن للرياضة والمنتخب دوراً برأب الصدوع التي أكلت السوريين على مدى عقود، وبالأخص على مدى السنين الخمس أو الست الأخيرة، فلا سياسة جمعتهم ولا ثقافة ولا وحدة حال ولا وحدة مصير، فلتجمعهم الرياضة إذن، فالرياضة منفصلة عن السياسة.

وفي أثناء تموُّج آراء متجاوزي الخلافات باسم الرياضة، يظهر المنتخب الأول على إحدى القنوات السورية في لقاء تكريمي للإنجاز التاريخي الذي قام به المنتخب (الوصول للملحق المؤهل لكأس العالم الـ21)، لم تنجح تلك القناة ولا برنامجها إلا في إعادة الذاكرة لمن عاش حقبة الطلائع والشبيبة، لتشعر بالزمن عاد بك وأنت تشاهد مقتطفات اللقاء وتشعر وكأنك في إحدى حلقات الطلائع أو الشبيبة أو اجتماع حزبي.

لم تستطع تلك القناة أن تتحمل وأن تصبر بضع ساعات تتجاوز فيها الفكر والعقلية الحائطية، التي هي نفسها تفصيل من تفاصيل الانقلاب الذي حدث في صفوف السوريين، لتحاول أن تكون منصة قد يلتقي عليها السوريون ويضحكون ولو مرة واحدة معاً؛ بل من جديد لا محاور في النقاش سوى محور تسييس المنتخب وأعضائه، لتسقط بذلك ورقة فرحٍ جديدة عن أصحاب حلم المنتخب الرياضي المنسلخ من الواقع الدامي المقيت الذي يعيشه السوريون.

في الحقيقة، لم أذكر مرةً أننا استطعنا فصل الأشياء، فكل ما نراه مرتبط في ذاكرتنا بمركز شرطة أو أمن أو محسوبية أو فساد، حتى الرياضة لم تَسلم من هذا الوسم، فباتت مرآة أخرى من مرايا الألم.

وأتذكر هنا في عام 1993 حينما حصلت سوريا كأس آسيا للشباب، وخرجت الأهازيج المستوحاة من شعارات تلك المرحلة وعقليتها، وإحداها أغنية يطالب فيها مغنيها الشعب والحبايب "بالدق على الخشب"؛ للتعبير عن الفرحة خزياً للعين.

الآن وأياً كانت المحصلة، لا أحد سيدقُّ الخشب، سيدقُّون على الألم، على الحزن، على الفرح الذي بات محرَّماً عليهم حتى وهم يحاولون أن يجدوا ضالتهم في كرة تمشي على عشبٍ، أن يجدوا أنفسهم في لعبة، حيث لا ألعاب ولا حديقة تجمعنا!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.