المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد الدليمي Headshot

للتلفزيون ...وداعاً

تم النشر: تم التحديث:

لعبة الإعلام تتواصل بمزيد من الإثارة والتشويق، ظهر الراديو، عد في حينها ثورة، أصبح حبيب الجميع، الكل يستمع إليه، كان مصدرا للخبر والمعلومة والأغنية، كان العالم كله هنا، في حينها، كان الصندوق الخشبي الكبير يجذب كل أبناء المنطقة الواحدة، محلة وقرية، قبل أن يكون بمتناول الجميع، فخف وزنه وحجمه، وصار يحمل باليد، رفيقا وأنيسا.

ثم جاء التلفزيون، كان إنجازا آخر، ربما فاق صدمة وجود جهاز يتكلم، كيف يمكن لهذا الصندوق ذو الشاشة أن يتحدث، صورة الأشخاص تنقل هنا، بات التلفزيون رفيق كل البيوت، تنقل من تطور إلى آخر، حتى أصبح فضائيا، يأتي إليك من أقاصي الكون، ومن أعالي الفضاء، كان ينقل لك الحدث، أولاً بأول، أو هكذا كما يقول مذيع النشرة، أصبح التلفزيون وسيلة التأثير الأولى في العالم، تجاوز الراديو بمراحل، وتجاوز الصحيفة المطبوعة في حجم التأثير، وصار من يملك فضاء البث التلفزيوني كمن يملك قنبلة ذرية، فلقد أحدثت هذه الفضائيات ثورة كبيرة ، ولم يعد هناك من حجب وستار.

أتذكر في العراق أن النظام السابق كان قد أحاط البلاد بستار حديدي، لم تنفع معه كل المحاولات في كسره، كان لدينا تلفزيون رسمي، وبعد انتشار الفضائيات في العالم التي كنا نسمع بها ولا نراها، ظهر تلفزيون الشباب، أسسه نجل الرئيس الراحل، عدي صدام حسين، كان يقوم بالتقاط ما تبثه الفضائيات العربية والأجنبية وتسجيله ومن ثم إعادة بثه، في محاولة لتقديم مادة تلفزيونية مغايرة لمادة القناة الرسمية التي تخشبت.

عقب الاحتلال عرفنا أن الفضائيات، كانت تؤثر فينا تأثيرا كبيرا، نحن الخارجين من بوتقة الحصار والستار الحديدي كله كان يتناولنا، خبرا تلو خبر وتحليلا إثر تحليل، ونحن نقف باندهاش كبير، أ الى هذا الحد نحن مهمون للعالم.

وتستمر اللعبة، تأتي وسائل التواصل، الفيسبوك أولا، ثم جاء تويتر تاليا فتقدم، وغيرها الكثير، هي الآن تسير بوتيرة عالية، تسحب البساط من تحت التلفزيون، تتحول إلى مصدر للخبر والمعلومة، فهل نقول وداعا للتلفزيون؟

ربما عما قريب فعلا سنقول وداعا للتلفزيون، فلقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدر خبر ومعلومة، ليس لأنها تنشر أسرع من التلفزيون وحسب ولكن لأنها في كثير من الأحيان تكون أصدق منه.

قبل أيام طلبت من زوجتي أن تلغي تطبيق تويتر من جوالها، كانت تستغرق وقتا طويلا وهي تقرأ ما يغرد به المغردون، تناقشني في كثير من التفاصيل التي تطلع عليها، معلومات غزيرة ووفيرة جدا، بل وأصدق من كثير من الأخبار التي تنقلها الشاشة الفضية، حذفته، لم تطق ذلك طويلا، عادت واستأذنتني بأن تعيد التطبيق، سألتها لماذا؟ قالت أريد أن أتابع الأخبار.

بصراحة لديها كثير من الحق، الأخبار اليوم تأتيك عبر حسابات عديدة وكثيرة أصدق بكثر من التلفزيون، التلفزيون لعبة مصنوعة، حتى بثها المباشر مصنوع، كل شيء فيه بقدر معلوم، لا يمكن أن يتجاوز خطوطه المرسومة، عكس ما يأتيك عبر تويتر، إنه الصحافة الشعبية التي تنقل بلا حساب ولا خطوط حمراء، ولا تصنع، إنها تنقل بلا مراعاة مشاعر أو مدارة هذا وذاك، وطبعا سرعة ما تنقله هذه الصحافة، إنها لا تدقق كثيرا بالخبر، إن كان دقيقا أم لا؟ بالتالي فإنها تصل قبل غيرها.

لا أعتقد أن التلفزيون سيبقى قائما كوسيلة تأثير، الشاشة تغادر منصتها التي تربعت عليها طويلا، القادم للمحمول، وتطبيقات المحمول، القادم سيصلنا إلى هواتفنا، لن يكلفنا عناء بحث بين المحطات أو الجلوس في غرفة منزل أو مكتب للتعرف على ما جرى، سيأتي كل شيء إلى هواتفنا، الشركات تجتهد، المطورون يجتهدون، وسائل الإعلام تلاحقنا، إنهم سيأتون إلينا، هواتفنا ستغني عن تلفزيوناتنا، التلفزيون يودعنا، لا نعرف متى، ولكن بالتأكيد لن يطول وجوده معنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.