المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد الدليمي Headshot

مجانين بغداد

تم النشر: تم التحديث:

اشتهرت بغداد، مثلها مثل أي مدينة تاريخية كبيرة، بمجانينها، ولعل بهلول، لزيم مجلس الخليفة هارون الرشيد، يعد الأشهر بينهم، رغم أن الكثير من الكتب والدلائل التاريخية كانت تصنفه على أنه حكيم بهيئة مجنون.

في القرن الماضي، عرفت المحلات البغدادية القديمة، وتحديداً تلك التي كانت تتوسط العاصمة بغداد، بالعديد من هؤلاء المجانين، بعضهم كان بمثابة بهلول عصره، فهو ينطق حكماً بطريقة ساخرة ومجنونة، تجد صدى واسعاً في قلوب الناس من تلك التي تأتي فجَّة، غير أن مجانين بغداد اختلفوا بعد أن حطت أميركا ركابها بالعراق وجاورتها إيران، مثلما اختلف كل شيء في ذاك العراق الذي عرفناه وعرفه العالم.

فأميركا وإيران استبدلتا مجانين بغداد الحكماء بمجانين من نوع آخر، بعضهم ارتدى بدلة عسكرية، وآخر عمامة رجل دين، وثالث بهيئة سياسي ومسؤول، ورابع على شكل لص، وهذا النوع الأخير أكثروا منه حتى أفرغت خزينة بغداد.

وأنت تطالع يوميات العراقيين على الفيسبوك وصفحاتهم العامة يكاد لسانك يصيبه الخرس، يكفي أن تشاهد صفحة لأحدهم وهو يدَّعي أنه رجل دين وقائد في الحشد الشعبي، وكيف يقوم بمهمة التفتيش للوحدات والقطعات العسكرية، وكيف أن ضباطاً عراقيين برتب مختلفة يقومون باستقباله والتقاط الصور معه وتقديم شرح وافٍ لما تقوم به قطعاتهم من عمليات عسكرية، ثم وبعد كل هذه الجولات والبطولات للمعمم، وبعد أن تبدأ الانتقادات من عامة الناس، تبادر الحكومة على استحياء لاعتقاله بحجة أنه غير مخول ولا علاقة له بالحشد الشعبي.

أما ذاك الذي يتزعم ميليشيا عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، فهو مجنون بلباس ديني وسياسي وعسكري، يقود واحدة من أبشع الميليشيات التي قتلت وذبحت العراقيين بأبشع الطرق، الغريب أن هذا القائد كان ذات يوم معتقلاً في سجن أبو غريب، عقب الاحتلال الأميركي، وما يقال عنه وعن جنونه أثناء فترة الاعتقال كثير وكثير جداً، وفجأة وبعد أن خرج من سجنه أصبح زعيماً عسكرياً ودينياً يهدد ويتوعد أهل الموصل؛ لأنهم قتلة الحسين، على حد قوله.

وأخطر المجانين الذين سرحتهم أميركا وإيران في أرض العراق، أولئك الذين يتصدرون مشهد الإعلام، فواحد مثل وجيه عباس، مقدم برنامج توك شو على إحدى القنوات المعروفة بطائفيتها، لا يظهر في برنامجه إلا بعد أن يضع عدة لعب صغيرة على شكل حمير؛ بل إنه في كثير من الأحيان يظهر على الشاشة سكران.

مثل هذا المجنون يحرك الرأي العام في العراق عبر برنامجه، فهو يختار المواضيع الطائفية ويركز عليها؛ لأنه يدرك أن بضاعته رائجة في هذه المرحلة من تاريخ العراق.

لا حصر للمجانين في العراق اليوم، وربما طارت وسائل الإعلام بتصريحات وزير النقل العراقي الذي قال إن السومريين هم أول من بنى مطاراً قبل 5 آلاف سنة قبل الميلاد، وعلى شاكلة هذا وذاك الكثير الكثير.

مجانين بغداد اليوم يختلفون عن مجانين بغداد بالأمس، مجانين اليوم لا يتوقف جنونهم عليهم وحسب، وإنما يجرون سيلاً من الموت على أبناء العراق.

مجانين بغداد سابقاً كانوا حكماء، أما اليوم فإن هؤلاء المجانين المصابين بلوثة الطائفية والعمالة تحولوا إلى أدوات قتل لم يعد سُمهم يقتصر على العراق؛ بل وصلوا بسمومهم إلى سوريا، ويحلمون بالوصول إلى دول عربية أخرى، فمن سيقف بوجه مجانين بغداد قبل أن يبتلعوا بجنونهم أمن شعوب دول أخرى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.