المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد الدليمي Headshot

آن لبغداد أن تعود

تم النشر: تم التحديث:

في سنة المدن الكبرى، التي تلعب دورًا في صياغات الأحداث لا بد من تعب يصيبها، قد يأخذها بعيدًا، قد يغيبها، قد يجعلها تتسلق سلم الانحدار، ولكن المفارقة أن تلك المدن تبقى عصية على النسيان، إنها مدن لا تنسى، مدن يبقى فيها طابع الخصوصية قائمًا، رغم كل ما يعتريها، رغم كل ما تعيشه من آلام، إنه قدر ألا تموت المدن الكبرى، مدن التحولات وصناعة الأحداث، مدن التاريخ.

بغداد، يوم أن أراد منصورها أن يرسمها اختار لها الأكثر براعة بين مجايليهم من بنائين ومهندسين، بل الأكثر من ذلك أنه اختار حتى طبيعة هوائها، فيقال إنه وضع لحمًا في عدة أماكن من المنطقة التي اختارها المنصور لتكون عاصمة لملكه، وجاء على آخر قطعة لحم تعفنت، وهناك أسست مدينة المنصور المدورة.

بعد قرون من تأسيسها، ويوم أن كان بانيها شامخًا منتصبًا وسط مدينته، سيأتي ثلة من الجهلة بالتاريخ وصناعه الكبار، ليفخخوا تمثال المنصور، معتقدين أنهم بذلك نسفوا تاريخ بغداد وتاريخ بانيها، غير مدركين أنهم أعادوا في لحظتهم الهوجاء تلك، بعضًا من بهاء مدينة أريد له أن يندثر، فتنادى محبوها، عادوا لتاريخها، شرحوه لأجيال ربما لم تفقه الكثير منه، وها هي اليوم تريد أن تنهض من جديد.
لا يمكن أن تكون مظاهرات العراقيين في ساحة تحرير بغداد إلا محاولة منهم لاستعادة مدينتهم، مدينتهم التي طواها الألم سنوات طوال، وغير ملامحها، وما عدت تدري وأنت تسير بشوارعها بعد عقد ونيف من غزوها على يد الأمريكان، أحقًّا هذه بغداد المنصور والرشيد؟

في إحدى مقولاته يرى ابن خلدون مبدع المقدمة الاجتماعية أن بغداد لب الكون وحاضرته، وأن السيطرة على المدينة وإقليم العراق يتيح السيطرة على الجهات الأربع، في إشارة إلى العالم.
مقولة لا يبدو أنها تغيرت، رغم تغير الأزمنة وتبدل الأحوال، فبغداد التي غزتها جيوش العم سام في عام 2003، كانت مطمعًا، ليس لأمريكا وحسب، وإنما أيضًا لإيران، التي تسعى وما زالت إلى بث الروح في فارسيتها العظمى التي انكسرت على يد جيش الفتح الإسلامي في معركة القادسية الخالدة.

بغداد اليوم تريد أن تعود، ربما هي مدينة لا تنسى، إلا إنها تريد أن ترتدي ثوبها الذي اعتادت عليه، ثوب العلم والتقدم والحضارة، ثوب المدينة التي احتضنت حضارة العرب والمسلمين طيلة قرون خلت، ثوب المدينة التي كان يسعى لها طلاب العلم من أصقاع الأرض، ولم لا؟ فكل المقومات تمتلكها هذه المدينة الساحرة، فقط تحتاج إلى يد أبناءها، يد سكانها، لا يد الدخلاء، فقط تحتاج إلى قليل من ضمير وكثير من إخلاص لتعود بغداد.

العراقيون الذين انطلقوا في ساحة التحرير مرددين هتافات "إيران برا برا وبغداد تبقى حرة" يدركون جيدًّا ما يقولون، يعرفون أن كثيرًا من الجور والحيف جاءهم من جارهم الشرقي، الجار الذي كما قيل عنه "عز إيران بذل العراق وذل إيران بعز العراق" ثنائية خطيرة تؤكد أن للجوار الجغرافي ضريبة، ربما تبقى مستحقة الدفع على طول الزمن.

لقد همشت سياسة الأحزاب الدينية والسلطة التي توالت على حكم بغداد حتى قبل عام 2003، أهل بغداد، وحولتهم إلى مجرد سكان، عابرين، بعضهم ارتأى السكوت، وبعضهم الآخر رأى في هجرة مدينته التي أحب خيارًا أفضل، وبعضهم الآخر سحقته يد البطش والقتل والاغتيال والاعتقال، لتجد المدينة بعد أقل من عقد من الزمن ، انها بلا ملامح ناسها، بلا وجوه نسائها اللواتي اعتدن أن يعبرن جسورها وضحكاتهن تتعالى على طرف الوجوه الجميلة.

مظاهرات بغداد تسعى لاستعادة المدينة، ليس فقط لأن الواقع الاجتماعي والحياتي والاقتصادي والسياسي قد بلغ حدًّا لا يمكن السكوت عليه، وإنما أيضًا لأن لبغداد خصوصية افتقدتها، خصوصية شعر بها أناسها، سكانها الأصليون، الذين همشوا وداست عليهم سنابك الغرباء.

يمكن أن نأمل خيرًا من تلك المظاهرات إذا ما نجح المنظمون والقائمون عليها في تجاوز حالة الاستقطاب الطائفي الذي ميز حتى مظاهرات العراقيين، يمكن أن نأمل خيرًا إذا نجحت هذه المظاهرات في استدعاء روح بغداد وألق بغداد بعيدًا عن وصاية الوصاة، دينيين وطائفيين، يمكن أن نامل خيرًا في تظاهرات بغداد إذا ما نجحت في التركيز على فساد الفاسدين الحقيقيين، وإذا ما ركزت على عملية إصلاح شاملة وليس على قررات ترقيعية، جلها يهدف لدعم خزينة الدولة التي باتت شبه خاوية.
بغداد إذن على موعد مع التقاء بتاريخها إن أحسن أبناؤها ممن قرروا التظاهر والثورة ضد الظلم والفساد استغلال اللحظة التاريخية الفارقة التي تمر بها المنطقة عقب الاتفاق النووي الذي وقعه الغرب مع إيران ، وهو اتفاق يبدو مما جرى من تسارع أحداث في ملفات العراق وسوريا واليمن، أنه شمل عدة بنود سرية، لم تعلن، بنود ربما تقود إلى تسويات كبرى في المنطقة، بحثًا عن سنوات تهدئة بعد سنوات الرصاص التي أحرقت الحرث والنسل.

يوميات بغداد مع التظاهرات وفعالية شبابها الحيوي على مواقع التواصل الاجتماعي لكشف فساد الفاسدين ممن يتحكمون برقاب الناس وأقواتهم، كما ألهبت بقية مدن العراق، فإنها قادرة على أن تتحول إلى فعل كاسح، يحاكم كل من أجرم بحق العراق، وأولهم سكان المنطقة الخضراء ممن أجرموا وأفسدوا طيلة عقد ونيف.

مرة أخرى وأخيرة، آن لبغداد أن تعود، آن لها أن تستعيد ألق ماضيها، آن لها أن تنادي على أبنائها، ممن هجروا وهاجروا بعيدًا عن أرض ليلى، آن لبغداد أن تكتب فصلًا جديدًا من حكايا ألف ليلة وليلة، شرط أن يعرف شبابها أن الإصلاح لا يجب أن يمر عبر قرارات ترقيعية وإنما يجب أن يكون إصلاحًا شاملًا يقترب من الثورة، عند ذاك سأحلم، وأنتم معي، بأن نطوف بين كرخها والرصافة، متأملين عيون المها وهي تعبر دجلة على صوت نوارسها وقت العصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع