المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيثار هشام Headshot

في حواصل طير خُضر "أسماء الصغيرة"

تم النشر: تم التحديث:

"يا اللي شمس الدنيا تطلع لما تطلع ضحكة منك" ما زال صوتها في أذني أسمع هذه الكلمات بصوتها العذب الدافئ الحنون، فأقاطعها: يا أسماء بتقوليها لي طبعاً ولا إيه؟ فتضحك ضحكةً جميلةً، وترد عليَّ: طبعاً طبعاً مش محتاجين كلام، لم تكن تعلم أنها تغنّي لنفسها كلمات الأغنية؛ لأنها كانت هي مَن تشرق شمس قلوبنا بضحكتها وانطفأت برحيلها، لم أكن أعلم مكانتها الكبيرة في قلبي وحُبي الجمّ لها، لم يدللني أحد ويهتم باقتناء الفراشات لي من كل مكان كما كانت تفعل، ولا حتى أسامة ولا فاطمة أختي!

فراشة لها أثر جميل يُرى ولا يزول من قلبي ووجداني وحياتي كلها، تودّ الكبير والصغير وتعطف عليهم، صغيرة السن، كبيرة العقل، لم تعِش أحد عشر عاماً وشهرين وأحد عشر يوماً فقط، أسماء عاشت عمراً عريضاً مليئاً بالحب والحنان والعطف والجمال واللمسات الرقيقة في القلوب، لم أرَ في حياتي طفلة في عمرها صادقة القلب والمشاعر كما كانت أسماء.

قبل رحيلها بأسبوعين اتصلتُ عليها؛ لأخبرها أن حديثنا هذه الأيام يدور حولها فقط، وأن بداية حواري مع أسامة كانت من جملته "أنا خايف على أسماء أوي يا إيثار"، فأخبرتني أنها ستقول له أن لا يقلق وتطمئن عليه كثيراً هذه الفترة حتى لا يقلق، حاورتني يومها وكأنها أكبر من عمري بكثير، كانت تريد أن تقضي العيد معنا في إسطنبول، وشجّعتها أننا سنكلم بابا معاً لإقناعه، ولكن الله اختار أن تقضيه في مكان أفضل وأجمل في جنة عرضها السماوات والأرض مع الولدان المخلّدين.

كل الأقدار كانت تقول إنه يوم وساعة ارتقائك حبيبتي أنت دون جميع من كان معكِ في الحادث هو اختيار واصطفاء الله لكِ واختبار الله لوالديكِ ولنا، ورفع درجات ومنزلة لكِ في الدنيا والآخرة ولهم أيضاً.

يا أسماء.. كنتِ من النفوس التي تشبه نور القمر فتبثّين في الظُّلمة ذلك الأنسَ وتلك الرحمةَ، وتذكّرين الناس بربهم في حياتك القصيرة الهادئة وبعد رحيلك.

أزعم أن رحيلك كان وقعه على قلوب وعقول كثيرين وقعاً عظيماً أفاقهم من غفلتهم، وجاء لكل منّا برسالة خاصة به دون غيره هو فقط يعلمها، أخبرتنا أن هذه ليست هي داركم الحقيقية، وأنكم مهما عشتم من سنوات فهي ليست لكم، بل هي ملك لله، علّمتني أن الرحمة والرفق بالعباد جميعهم دون تفضيل أحد على آخر من صفات أهل الجنة، وأن الإنسان مهما امتلك من علم أو مكانة اجتماعية فلن يبلغ حبه في قلوب العباد إلا بالرحمة والكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والمواقف الحنونة كما كنتِ.

أتذكر يوم أن اخترت لكِ ملابس العيد في زيها "المغربي" فأرسلتِ لي صورة بها؛ لأنك تعلمين أنني أفضّل الجلباب المغربي، وأتبعنا حديثنا بمكالمة هاتفية فأخبرتكِ أنكِ من تجعلين الملابس جميلة، وليس لأنها حلوة، وكنتُ صادقة فكل شيء كنتِ ترتدينه جميل وتحبينه جميل وتلمسينه بأناملكِ الرقيقة جميل، كل مكان كنتِ تفضلينه جميل، لم أرَ منكِ غير الجمال والحب والصدق.

يا أسماء.. كل فخر بأن اختارني الله في مقام أختكِ الكبرى، وكلي فخرٌ بثبات أخيكِ عند سماع الخبر، فما كان منه غير الحمد لله وتوضأ وصلّى ركعتين، لم أسمع منه عند الصدمة الأولى غير الحمد لله مرّات عديدة، هو من كان يذكّرني بالله، وأخبرني أنه مطمئن عليكِ.

تملّكني الرضا التام عندما رأيت بابا في المطار وضمّنا إليه، وقال لنا: "قولوا الحمد لله يا ولاد ربنا يبارك لنا فيكم"، كلّما احتجت إلى الثبات والطمأنينة أُسرع إليه لأستمدّهما منه، بالرغم من تعب ماما الشديد حزناً على فراقك، إلا أنها راضية بقضاء الله وقدره كثيراً ولا تردد إلا (الحمد لله)، فالحمد لله حبيبتي في الأولى عندما أتيتِ إليهم هدية من الله والحمد لله في الآخرة عندما استردّ الله هديته وقبض روحكِ السويّة.

كنتِ دائماً ترسلين لي صوراً "لبرج إيفيل" وكنتِ تتمنين الذهاب إلى باريس، ومن ثم غيّرتِ وجهتكِ إلى "جزر المالديف" وكنتِ تتمنين قضاء العيد معنا في "إسطنبول"، أي صدقٍ ومنزلة كنتِ فيها كي يبلّغك الله أجمل الأماكن في الجنة؛ كي تتمتعي بالأنهار والغرف المليئة بالجواهر والدّرر، وتلعبي مع السحب وتأكلي أجمل الحلوى وتصنعي من السحب بساطاً كبُساط "علاء الدين" تلعبين بين السحب به وتمرحين مع الولدان المخلّدين، يا أسماء في الجنة لن ترددي "أنا زهقانة"، فلا نصب ولا تعب ولا ملل، نحن الآن مطمئنون عليكِ.

مشكلتي الكبرى مع الفقد "الوَحشة والاشتياق"، هناك شوقٌ لا يُطاق لأجله ندعو الله بأن لا يُحمّلنا ما لا طاقة لقلوبنا به ويعفو عنّا ويرحمنا من ألمه العظيم، هذا الألم الذي لا يزول بمرور الأيام، فلا شيء يُنسينا "أسماء" حتى كما يقول البعض عندما سننجب سنجد عوضاً عنها، فلا عوض عنها أبداً حتى وإن كان في ابني أو ابنتي، لا عوض عن مكالمة منها وأنا أعدّ الطعام لتطمئن عليّ وعلى أخيها وتخبرني بما يدور حولها وعن مشاجرات صديقاتها، لا عوض عن كلمة "وحشتيني" منها، لا عوض عن كل مرة سمعت منها "أنا زهقانة" لأضحك أو أردد في نفس اللحظة معها "يا أسماء أنا زهقانة"، فنضحك معاً، لا أظن أن شيئاً سيجبر هذا الكسر غير اللقاء، لن يسكن هذا الألم للرحيل حتى مع مرور الأيام، وإن بدت أنها مرّت أو ستمُر، كل شيء سيبدو جميلاً كما كانت "حُلُماً جميل ورحل" حين نتقرب إلى الله بفعل الخيرات لها حتى يستمر أجرها إلى يوم القيامة.

جزى الله الشدائد عنّي كل خير عرفتني على كل الأنقياء في حياتنا، رأيت الله ولطفه في هذه المحنة حين رأيت كل شخص كان بجانب أسامة وبجانبي في إسطنبول، وكل شخص كان بجانب أمي وأبي في السعودية منذ اللحظة الأولى وحتى الآن في السؤال والدعاء، عرّفتنا أسماء على الطيبين والطيبات في حيواتنا جميعاً، فالحمد لله رب العالمين على هؤلاء دائماً وأبداً لن ننساهم ما حيينا في دعائنا.

إذا لم يعلّمنا ارتقاء أسماء لنقف مع أنفسنا وقفة، فلن نتعلم من غيره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.