المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيثار هشام Headshot

من لم يؤدّبه والداه فسيؤدّبه الزمن..

تم النشر: تم التحديث:

كان أبي -حفظه الله- يردد دائماً جملة "من لم يؤدّبه والداه فسيؤدّبه الزمن". نعم، هذه حقيقةٌ، الزمن يؤدّب كثيراً ولكن بقسوةٍ، ولا يحنو عليك الآخرون مثل والديك في توجيه النصيحة ولا يُقدَّم لك العون إلا بمقابل.

في الواقع، هذه أول مرة أقرر فيها مشاركة الآخرين عن أقسى تجربة مررت بها على الإطلاق. في شهر يونيو/حزيران عام 2015، في ظُهر أحد الأيام أخبرنا أحدهم بأن اسمي في إحدى القضايا وأن وجودي في بيتي يهدد سلامتي، وبعد فترة لا بأس بها أخبرنا المحامي بضرورة ابتعادي تماماً عن البلد.

في هذه الفترة، كنت في أشدّ أوقات ضعفي وكان أسوأ رمضان مر علي في حياتي، وبعدها جاء العيد الذي لم يكن أفضل حالاً. لم أصلِّ العيد ومعظم الشهر لم أفطر مع عائلتي، حتى حانت اللحظة وقرر أبي أن أستعد ليذهب بي إلى هذا البلد الذي سيكون حمايةً لي من عبث الوضع في مصر وجنون النظام، وكانت معظم الآراء القريبة من أمي وأبي تنصحها بعدم سفري؛ فكيف لفتاة أن تجلس وحدها في بلد غريب؟! وماذا عن دراستها؟! يعني هذا أنها لن تتزوج داخل مصر؟!

لم يفكر أحد وقتها عن ماذا إذا دخلت السجن؛ هل سيأتي هؤلاء ليُخرجوني بقوة؟ ماذا عن أمي وأبي؟ لن يكونوا مكان أمي وأبي على أية حال. ولكن، بعد التأكد من أن هناك كارثة كانت ستحلّ عليّ، شكروا الله أنني بعيدة عن الأذى.

وفي إحدى الليالي وبعد مداولات كثيرة على الأصعدة كافة، سافرت برفقة أبي إلى هذا البلد، ومنذ لحظة سفره حتى لحظة سفري إليه ولقائي أمي في بلد آخر، لم أذق طعم الطمأنينة يوماً! لم تجفّ دموعي ليلةً، كنت أشتاق إلى ضمّةٍ بصدق من أحد يحبُّني محبةً خالصةً، لم أكن أعلم أن التجربة صادمة وجافة ومؤلمة إلى هذا الحدّ، فقط علمت معنى أن قطار الحياة لا ينتظر أحداً، ودموعي لن تعيدني إليهم وأن الانخراط في مجتمع البلد الذي أنا فيه ورمي كلام الآخرين المُثبّط وراء ظهري هو الحل الوحيد.

قررت ألّا أخذل أمي وأبي وأُثبت لهم أنني على قدر المسؤولية، لم أستطع تخطَي هذه المرحلة إلا بفضل الله ثم أشخاص لها من الفضل عليّ ما لا أنساه في حياتي قطَ. "أمي وأبي"، في الحقيقة، هما من لهما الفضل الأكبر عليّ في كل شيء، كانا يقدّمانِ لي الدعم بشتى أنواعه: النفسي والمادي والاستشارات العاقلة الحانية.
- أمي، التي تحمّلت الضغط المعنوي ببعدي عنها والتدخل الذي ليس له معنى من بعض الناس.

- أختي، التي كان وجودها في البعد سنداً لي لا يُقدّر بكلمات رغم أنها في أصعب مراحلها الدراسية.

- أسامة الشامي، الذي كان صديقاً وأخاً كبيراً لي، كان يخاف عليّ كابنته وينصحني، كان يقف بجانبي في كل شيء، لا أنسى له هذا المعروف الذي قدّمه لي ما حييت. علّمني أسامة كيف نقف بطريقة صحيحة بجانب من نحب، لم يملّ يوماً من دموعي وسماع جملة "أشتاق إلى عائلتي"، لم يملّ من أسئلتي في بداية تعلّمي للغة والتعرف على البلد، كنت أتوه في الطرق فأتصل به أولاً وهو يبعد عني آلاف الأميال لأسأله ماذا أفعل وأنا على وشك البكاء، فيظل معي على الهاتف حتى أصل إلى المكان الذي قصدت.

لا أنسى له في شهر فبراير/شباط الماضي عندما دخلت في نوبة اكتئاب حادة وانعكس هذا على صحتي بشكل كبير حتى سقطت مغشياً عليَّ في إحدى وسائل المواصلات العامة وكنت برفقة صديقتيّ، فذهبا بي إلى أقرب مشفىً ودخلت إلى الطوارئ وكان تشخيص الطبيب هو هبوط في ضغط الدم، وتم حجزي في الطوارئ 4 ساعات. ومنذ دخولي المستشفى، قررت ألا أخبر أسامة؛ لأنه في فترة امتحانات حتى وجدت أن حافظة نقودي ضاعت عندما وقعتُ، وفي هذه اللحظة بكيت بكاء شديداً؛ فلا مال ولا هوية ولا بطاقة البنك!

في هذه اللحظة، لم أتردد في الاتصال بأسامة وإخباره وسؤاله ماذا أفعل! قامت صديقتي باللازم وأكثر، وبعد أقل من 5 ساعات كان أسامة بجانبي، فقد حجز على أول طائرة قادمة... والكثير الكثير.

لم أكن أتخيل أنني سأُنقل من مكان إلى آخر وأتعامل مع عمال يوماً وأنا بمفردي! لم أكن أتخيل أنني سأدخل مركزيْ شرطة وأُطرد من واحد لأن الضابط عنصري وأنا عربية حتى لو لم أتكلم معه إلا بلغته؛ فجواز سفري الأخضر كان عائقاً بالنسبة لي.

لم أكن أتخيل أن أكتسب كل هذه الخبرة في بضعة أشهر؛ أن أبتعد عن أصدقائي ولا أجد من أستبدلهم بهم في أشد أوقات احتياجي للصداقة، لم أكن أعلم أن أول من سيتخلون عني؛ بل ويؤثرون عليك بكلامهم السلبي هم أقرب الناس لك!

ذاكرتي دوماً ذاكرة سمكة، إلا في هذا العام لم أنسَ كل عونٍ قدّمه لي أحد ولم أنسَ كل أذى أصابني من القريب قبل البعيد أيضاً.

لن أنسى أن وجود "عمو أنس" ونصْحه ودعْمه لي معنوياً في كل وقت واهتمامه الدائم بي حتى كان يقدمني في أي مكان بأنني ابنة أخته القريبة، هذا الرجل العظيم الذي تعلمت منه أشياء لم أكن لأتعلمها من أحد في حياتي.

لن أنسى وجود "أروى ويحيى" اللذين هوّنا الكثير بالضحك واللعب، لن أنسى أن "تسنيم النخيلي" هي أول من استقبلني وهي أكثر من وقف إلى جانبي في الكثير من الأوقات الصعبة.

لن أنسى وجود "الأب الروحي" -أشرف ربيع- الذي لم يتخلَّ عني لحظة وكان يعاملني مثل أبنائه وأكثر. كنت أحكي له وأعلم أنه لن يفهم عكس ما قصدت، يقدم العون لي في أبهى صورة. منذ أن ولدتُ وأنا أعلم أنه صديق العائلة، ولكن لم أكن أعلم أن هناك أشخاصاً رائعين أوفياء كل هذا الحد.

لن أنسى أيضاً كل لحظة قسا عليّ فيها أحد من بعيد أو من قريب مع أنني سامحته، ولكن لأول مرة كانت الكلمات على الرغم من صعوبة وقْعها عليّ فإنها ساهمت في تغيير شخصيتي بنسبة كبيرة، كلام الناس ليس مهماً وأن أثبت لنفسي أنني على قدر عالٍ من المسؤولية.

لم أعِ أن الزمن يقسو بهذه الدرجة على أحد، ولكن حقيقةً بعض التجارب حقاً تصنع أشخاصاً آخرين.

لا تسمحوا لأي أحد أن يؤثر على سلامتكم ولا مستقبلكم؛ لأن وقت الفشل لن يقف أحد بجانبك، ووقت النجاح سيصفقون لك ويهنئونك، ولا تجعلوا فشل تجارب الآخرين ينعكس عليكم؛ فكل تجربة مختلفة عن الأخرى، عِشها وتعلّم أن الخطأ ليس عيباً؛ بل هم المشوهون إذا أخذوا يثرثرون في كل خطأ تخطئه.

أعتذر لكل شخص لم أُحسن تقديم النصيحة إليه يوماً، ولم أحسن الوقوف بجانبه وتقويم خطئه باللين والحب.

شكراً لهؤلاء الفتيات اللاتي فررن من ظلم النظام وقسوته وصارت كل واحدة منهن في الغربة بألف رجل رغم كل ما تعانيه من ألم، وقسوة تجربة تُجبرها على التخلي عن أنوثتها لتكون فتاة في ريعان شبابها وفي الوقت ذاته تعمل وتدرس وتكافح، أرفع لجميعهنّ القبعة!

شكراً للتجربة رغم قسوتها التي صنعت مني إنسانة أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.