المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيثار أحمد إبراهيم  Headshot

6 مظاليم

تم النشر: تم التحديث:

في ظل العيش وسط هذا الزحام وانتشار الظلم والآثام، هناك ستة من الشباب الأبرياء في عداد أحكام الإعدامات الظالمة، الواقعة على شرفاء هذا الوطن، الذي لم يعد لنا ولا لهم وطن من بعد! أيُّ وطن هذا يلاقي فيه أبناؤه ما نلاقيه في خيرة شبابنا؟!

ستة من الشباب من خير ما أنجبت أمهاتنا المؤمنات، ستة من الشباب ذاقوا وبال الأسى على يد الظالمين، لاقوا شتى أصناف التعذيب والإهانة والتذليل، وبالأخير الحكم بالإعدام لخير شباب الأمة على يد أشرّ الظالمين، الهالكين!

و ما أرادوا إلا أن يحيوا حياة الكِرام، وما أرادوا إلا الخير للبلاد، فتفوَّقوا واجتهدوا لأسمى الغايات، إلا أن هؤلاء الظالمين طغوا على هذه الأحلام، فكيف للكون أن تسير حركته في سلام؟! وكيف لنا أن نأكل ونحيا وننام وخير من فينا قد أُهين وهان!

ولم لا يثور القوم إغاثة لأرواحهم قبل أن يفوت الأوان؟! ولكن، عن أي قوم؟! إن القوم من حولنا لا يبالي منهم أحد بما سال من الدماء ونراهم يكونون في الأموات وتمزِّقهم أيدي الشتات وتفرقهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات والأخلاق السيئات والحقد على ما عرَّضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند شدة البلاء، وتحولهم من وُدّك عند تغير الأحوال، والأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل.

قوم تراهم مثل البهائم، تأكل وتشرب وتنام ولا مبالاة لأمر المسلمين والمظلومين.. تودُّ لو أنك تصرخ فيهم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ"، أفيقوا واعلموا أن الدائرة تدور، ولكن لا محال، ختم الله على قلوبهم.. فلا حياة لمن تنادي!

تسير مِن حولهم كأنهم في سكرات ما هم بناجين منها، الحق بيِّنٌ أمامهم وما هم منه إلا بخسرانٍ مبين.

فمن الحقائق الثابتة القطعية، أن كل من تولى شيطاناً وسار بتوجيهه واتبعه فإن هذا الشيطان سيُضلُّ صاحبه إلى العذاب في الدنيا والآخرة؛ لذا فلا عجب مما هم فيه من إعراض عن الحق ولا غيره من سوء الأحوال كأنهم "مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ".

تستشعر فيهم قوله سبحانه: "وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ"، اتبعوه وفوَّضوه فأضلهم، فيا له من خزي عظيم ووبال أليم!

ومِن حول هؤلاء الشباب عظائم الآلام وكذلك آيات للصبر والثبات.. لهم أمهات ثكالى لا ينامون ولا هم قادرون على المسير في هذه الحياة، بين لفتة وأخرى تتزلزل نفوسهم زلزلة تهز الأركان وتضخ عظيم الآلام وتصرخ النفوس لهذا القلب المفجوع الحزين.. الـ"آه" من أفواههم، والدمعة من عيونهم كمن تُنزع منه روحه ألف مرة حسرةً وخوفاً على قُرة أعينهم وعبير أنفاسهم.

ودَّتْ لو أخذت فلذة كبدها بين أضلاعها وفي أحضانها كما شاءت وما استطاع أحد أن يأخذه من بين يديها ولا أن يأتي هذا اللعين ليردد (موعد الزيارة انتهى)، ويا لها من واقعة على الآذان، إنها لحظه الفراق!

لتضمه بقوة، لا تدري ماذا يُفعل به بعد أن تتركه، ولا تدري متى ستراه، وهل ستراه مجدداً أم لا، وبين كل هذا تخشي أن يكون هذا العناق غير وافٍ لقلبها أو غير كافٍ لفترة الفراق بينهما، فهذا هو مداد قلبها وقوت صبرها.

أقول: يا أمي ويا أم الرجال، ما كان الله ليخذل دمعك ولا صراخ قلبك وأنين نفسك، وغداً أردِّد لكِ قوله سبحانه: "فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ". إن الله رادُّه إليك وجاعله من الصالحين المقربين بإذنه ورحمته.. فكفِّ أدمعك وأبشري.

وبين هذا الحطام، تتمنى لو تراه ببدلة عرسه مع عروسه الجميلة.. فتاة في ريعان شبابها ليست كباقي رفيقاتها، كمن تتجهز لزفافها وأخرى لاستقبال أول مولود لها، ولا هي بمن تلتقي رفيقها كما شاءت مثل طبيعة الحال.

لكنها غيرهن، إن فتاتنا ذات الروح الجميلة النقية، كل ما تتمناه هو النجاة برفيق دربها من ظلم الظالمين وأن يبارك الله في عمره ويجعل لهما لقاء قريب.

تارةً تبتسم حينما تهيم في فستان زفافها الأبيض المزخرف باللآلئ وكيف سيكون البدء فيه والإعداد لتلك الفرحة التي تقر أعين والدَيْها اللذين طالما تمنيا رؤيتها عروساً.

ولكن، سرعان ما ينتهي كل هذا وتصطدم بالواقع الشنيع، وأن الحبيب خلف أسوار الزنازين محكوم عليه بالإعدام، فكانت تارةً ما تبتسم، وقليلاً ما تتوقف عن البكاء.. صارت أقصى أمانيها ألا يرتدي رفيقها البدلة الحمراء فقط، ليست الحمراء، ليست الإعدام!

يا فتاتنا، إن الله اصطفاكِ على فتيات عيشِنا هذا، وما أراده لكِ -سبحانه- خير من الدنيا وما فيها، فأكرمكِ بخير عباده رفيقاً لدربك، فـ"اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"، وإن المولى لرادُّه إليكِ بإذنه ورحمته بعد حين، فستنجلي ويحلّها من كان يملك عقدها، وسترتدين فستان زفافك المُلألأ وتقر أعيننا، ولعل عيدنا القادم عيدين لنا، ولعلك هذه المرة لا تصنعين كعك العيد وحدك ويشاركك في صناعته رفيقك وتفسدونه معاً مثلما تفعلين كل مرة، لكن هذه المرة لست وحدك ستعاقبان معاً.

والله خير حافظاً لقُرة عينك، والله على جمعكما إذا يشاء قدير، ولا معقب لحكمه. فوالله، ما يملكون له ولا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا يستطيع أحد أن يزيد في عمره يسيراً ولا رزقه نقيراً.
واجعلي يأسك من دُنيا العباد زلفى إلى رب العباد وأبشري.

لعن الله الظالمين وكل من كان سبباً في هذا الحال وهذه الآلام.. ماذا لو أُخذ الظالمون أخذ عزيز مقتدر؟! ماذا لو حيينا حياة الكِرام بعُرفنا على أن نذلَّ في سائر الأوطان بهزلنا؟! ماذا لو أقبلنا على الجهاد بعزمنا ولا أدبرنا منه بجُبننا؟!

ماذا لو عدنا بالزمان وقابلنا خير أحبَّة كانوا معنا، أحبابنا وأسيادنا شهداءنا؟! ماذا لو أن بنا يقيناً لا ريب فيه بأن الله أرحم بنا منا، وإن هدانا فبرحمة منه، وإن ضللنا فبأيدينا ومن أنفسنا!
ماذا لو استيقظنا وأصبح هذا الكابوس كله قد انتهى؟!

فاللهم ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاقت علينا أنفسنا، ونشهد أن لا ملجأ منك إلا إليك،
فتب علينا، وفرِّج كربنا، واجبر كسرنا يا جبار السموات والأرض، إنك أنت الرؤوف الرحيم، أنت ولينا من دون الطواغيت، آمنا بك حَكَما، وكفرنا بقضائهم أجمعين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.