المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المنعم الصافي Headshot

الأمن الروحي أساس الاستقرار المجتمعي في المغرب

تم النشر: تم التحديث:

يعد الاستقرار المجتمعي أحد أهم العوامل التي ساعدت على تطور الإنسان على مر العصور، من خلال توفير الشروط الضرورية، التي على أساسها يمكن استغلال القدرات الفكرية والفنية والتقنية، في بناء المجتمع مادياً ومعنوياً، وبالتالي في بناء الدولة باعتبارها أرقى تنظيم وصل إليه الإنسان، "كتجسيد لروح الشعب وأخلاقه الاجتماعية وعاداته وتقاليده، وكذا التعبير السياسي عن مجتمع إنساني"، على حد تعبير الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل.

ومن هنا تعتبر الدولة المسؤول الأول عن ضمان الاستقرار المجتمعي كضرورة أساسية لاستمرار نشاط الفرد، وبالتالي المجتمع ككل، فعند الحديث عن الاستقرار المجتمعي، فإن المقصود به هو تلك النتيجة التي نحصل عليها في مجتمع متوازن بين مختلف مكوناته، وفي جميع المستويات المادية، التي تتحقق عند توفير مجموعة من الشروط التي تشكل كلاً متكاملاً، وهنا نتحدث بالخصوص عن توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وماء وطاقة وصحة وشغل.

إن مسؤولية الدولة لا تقتصر فقط على توفير الشروط الضرورية السابق ذكرها للفرد في وقتها الآني؛ بل تتجاوز ذلك لتحصين هذه الشروط على المديين المتوسط والبعيد من خلال اعتمادها لسياسات عامة وسياسات قطاعية في مجالات حيوية؛ حيث نقول مثلاً السياسات المتعلقة بالأمن في مجالات الماء أو الغذاء أو الطاقة أو البيئية، كما أن بعضها بدأ يتخذ سياسات جماعية على المستوى الدولي من أجل ضمان الاستقرار على مستوى إقليمي أو قاري، مثل سياسة الأمن الغذائي لتفادي المجاعات والحروب والهجرات، أو البيئي لتفادي الكوارث الطبيعية، وما مؤتمر المناخ المنعقد بمراكش أخيراً إلا نموذج لأهمية تبني سياسة عالمية لضمان "الأمن المناخي" للأجيال القادمة.

وإذا كانت السياسات الأمنية القطاعية (الأمن الغذائي، الأمن المائي، الأمن البيئي..)، هي تلك التدابير التي تعتمدها الدولة من خلال استراتيجيات وآليات ومؤسسات غايتها توفير وضمان استمرارية هذه المواد الحيوية المادية التي تعتبر من المتطلبات الأساسية للمجتمع للحفاظ على استقراره المادي، فإن الواقع المجتمعي في تفاعلاته وتطوراته أثبت أن الشروط المادية لوحدها غير كافية لاستقرار المجتمع؛ حيث ظهر على الساحة مفهوم جديد مرتبط بشكل وثيق بمفهوم الاستقرار من الناحية اللامادية، وهو تحقيق الاستقرار الروحي للمجتمع عبر تحقيق "الأمن الروحي" المجتمعي.

إن الحديث عن "الأمن الروحي" مفهوماً وواقعاً ودوره في استقرار المجتمع، يقتضي بداية وضع هذا المفهوم في إطاره العام الذي لا يمكن إلا من خلاله تبيان أهمية هذا العنصر ومحوريته في استقرار المجتمعات، خصوصاً المتدينة منها، أي أن المجتمع المتدين والمستند على الدين في حياته العامة يعد إطاراً محدداً للحديث عن مفهوم "الأمن الروحي"؛ حيث يشكل هذا الأخير إحدى الركائز المهمة في استقراره المجتمعي.

واعتباراً لكون المغرب دولة إسلامية، فإن الأمة تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة من بينها الدين الإسلامي السمح، كجزء محوري وأساسي محدد للهوية المغربية التي تعتبر إفرازاً لتشكلات تاريخية لمختلف الحضارات والثقافات والروافد التي تعاقبت على منطقة البحر الأبيض المتوسط والتي بدأت تترسخ في نموذج مغربي متميز ومستقل منذ أزيد من اثني عشر قرناً.

إن الحديث عن أهمية "الأمن الروحي" كأساس في استقرار المجتمع المغربي يتضح بشكل جلي من خلال قيام بعض الجهات الخارجية، سواء "تنظيمات إرهابية" أو دول، وذلك إما بتصدير أفكار متطرفة إرهابية أو من خلال نماذج منحرفة من الدين الإسلامي يكون الهدف منها زرع بذور للفتنة الطائفية لضرب وحدة المذهب والعقيدة للأمة.

إن مخططات "التنظيمات الإرهابية" تعمل على زعزعة استقرار المغرب من خلال استهدافها "لأمنه الروحي" عبر المستويين التاليين:

أولاً: المستوى الفكري:

من خلال اختراق المجتمع عبر الترويج لأفكار متطرفة تحاول الاستناد في تبرير منطقها ومراجعها إلى قراءات قاصرة للدين الإسلامي؛ حيث يتم استهداف الفئات الهشة داخل المجتمع.

ثانياً: المستوى التطبيقي:

يتجلى من خلال العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها فعلياً، ومن خلال زرع وتكوين خلايا نائمة؛ حيث ما فتئت الأجهزة الأمنية تفكك العشرات من هذه الخلايا، ومن خلال كذلك تجنيد وإرسال مقاتلين إلى ساحات "الجهاد".

أما مخططات زرع الفتن الطائفية فتتجلى في المحاولات الحثيثة إلى تفكيك وحدة المذهب والعقيدة للأمة من خلال خلق تيارات دينية في إطار استغلال لحرية الدين والمعتقد كمدخل من أجل إيجاد موطئ قدم داخل المغرب في إطار حماية "المستضعفين عبر العالم".

إن حماية "الأمن الروحي" تبقى مسألة أساسية بالنظر لما يحتله الدين الإسلامي كعنصر أساسي في تكوين الشخصية المغربية، كما أنه يدخل في صميم تماسك المجتمع المغربي كتراكم عبر قرون من الزمن، من أجل ضمان استقرار المجتمع المغربي من جهة، وصد كل محاولات الاختراق التي ما فتئت تنهجها منظمات ودول، مسخرة في ذلك إمكانيات مادية وبشرية؛ حيث يتعين، في المقابل، على الدولة المغربية اتخاذ إجراءات تحصينية من خلال ممارسة سيادتها عبر مؤسساتها الدينية بقيادة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، في حماية "الأمن الروحي" للمغاربة من خلال اعتماد سياسات واستراتيجيات وبرامج تأخذ بعين الاعتبار حجم المخاطر التي تتهدد منطقتنا التي ما فتئت تستهدف من طرف جهات متعددة، بواسطة آليات ووسائل وإن تعددت أوجهها وغاياتها فإنها تتوحد في هدفها المتمثل في تدمير شعوب المنطقة وتخريبها وخلق أقليات متطاحنة، ولنا في بعض دول المشرق عبرة وخير مثال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.