المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المنعم الصافي Headshot

أسطورة فيدل كاسترو في أرشيف التاريخ

تم النشر: تم التحديث:

عن عمر ناهز 90 سنة رحل الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو عن عالمنا تاركا وراءه إرثاً تاريخياً لا شك أنه سيظل تأثيره على كوبا وشعبها لسنوات قادمة، بعد أن حكمها بقبضة من حديد طيلة خمسة عقود من الزمن، قبضة ديكتاتورية البروليتاريا التي كرس لها حياته لتحقيقها مع رفيق دربه أرنيستون تشي جيفارا، من خلال قيامهما بثورات جابت مختلف أرجاء أميركا اللاتينية، ملهمين العالم بها كنموذج للتحرر في سنوات المد الشيوعي العالمي، بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقاً.

رحل كاسترو الأسطورة، الذي ظل يصارع طواحين الرياح الرأسمالية، من أجل أن يعيش الفقراء وعموم الكادحين الحياة الكريمة والعيش الكريم بعد أن يقوم بتحويل مسار الصراع الحقيقي من صراع طبقي بئيس إلى صراع مع الطبيعة، الطبيعة التي صارعها الإنسان في سياق تطوره التاريخي قبل أن تنقض عليه البرجوازية، في انقلاب تاريخي لتستغله في تحقيق تراكم الرأسمال على حساب الطبيعة والطبقة العاملة وعموم الكادحين.

هكذا عاش كاسترو كما عاش جيفارا وآخرون أيام الزمن الشيوعي الجميل، زمن الشعارات والمواقف التي كان مسعاها تمكين الشعوب المضطهدة المستغلة من الحرية والتحرر، لكن واقعها كان أشد وطأة من البرجوازية ونظامها الرأسمالي نفسها؛ حيث ما إن تمت السيطرة على هذه الشعوب في بعض دول العالم كأوروبا الشرقية وإفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، حتى بدأت تطبيق الديكتاتورية المشروعة والاضطهاد المشروع في حكم الشعوب باسم الحرية والتحرر.

إلا أن المسار التاريخي للديكتاتوريات العالمية كان مآلها الزوال، كان مآلها أرشيف التاريخ، ديكتاتوريات طالما تغنت بمواجهة البرجوازية المتعفنة والرأسمالية المتوحشة، متناسية أن الشعوب هي المقياس الأساسي للحرية؛ لأنها هي الباحثة عنها، فإن لم تستطِع العيش فيها، فإنها الأقل لن ترضى بالديكتاتورية كيفما كان شكلها حتى وإن كان باسمها.

إن الإنسانية لا تطرح إلا تلك المشكلات التي تستطيع حلها، هكذا قالها منظِّر الشيوعية كارل ماركس في إحدى كتاباته، وربما أن البشرية كانت تطرح من بين مشكلاتها إزالة الديكتاتوريات وإدخالها أرشيف التاريخ، ربما أن البشرية طرحت بشكل مُلِح من بين مطلبها التحرر من الديكتاتوريات كيفما كان شكلها وفلسفتها وأيديولوجياتها.

وفعلاً انهارت الديكتاتوريات وسمت الشعوب عالياً، انهار الاتحاد السوفييتي ودخل أرشيف التاريخ من بابه الواسع، وها هي وريثته غير الشرعية روسيا تساند ديكتاتورية نظام الأسد، بعد أن ساندت ديكتاتورية القذافي وآخرين، كما ساند الاتحاد السوفييتي سابقاً ديكتاتورية القائد كاسترو الذي دخل في هذه اللحظات التاريخ من بابه الواسع، بعد أن بدأت بوقت قريب معالم التحول في كوبا تتضح في الأفق، بعد الانفتاح الذي عرفته مع الولايات المتحدة الأميركية مع إدارة أوباما، والأكيد أن العالم ما زال في انتظار من يدخل أرشيف التاريخ من بابه الواسع، والأكيد أن مقولة الرفيق كارل ماركس ما زالت سارية المفعول في انتظار سقوط باقي الديكتاتوريات التي ما زالت تقاوم، والتي هي مع أرشيف التاريخ على موعد يتأجل.

إن الإنسانية لا تطرح إلا تلك المشكلات التي تستطيع حلها، فهل سقوط الديكتاتوريات الواحدة تلوى الأخرى سيؤدي لإعادة النظر في الأيديولوجيات والأفكار الشمولية والمتطرفة التي يبدو أنه هناك من لا يزال سائراً في طريقها من أشباه زعماء وأحزاب سياسية التي ما فتئت تمجد الأفكار الشمولية والمتطرفة باسم الشعوب من أجل تحرير الشعوب؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.