المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسراء سراج الدين Headshot

ختان الإناث.. القتل الخاطئ عن عمد

تم النشر: تم التحديث:

قبل أيام ثار الجدل حول تطبيق قانون يغلظ عقوبة الختان بين مؤيد ومعارض، سمعنا مختلف الآراء، وقرأنا العديد من التصريحات الصحفية التي كان بعضها لا يليق بمكانة أصحابها، كأن يخرج إلينا أحد نواب البرلمان بمحافظة الدقهلية مؤكدًا على وجوب استمرار ختان الإناث؛ مبرراً ذلك بأن الذكور المصريين مصابون بالضعف الجنسي، وأن مصر من الدول المتصدرة في شراء المنشطات الجنسية، ولقي تصريحه الانتقاد الشديد على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بين التحليل والتنظير أو السخرية.

لكن ماذا لو أن ما يُثار من جدل يدور حول عقوبة لا تنفَّذ من الأساس، ولا تحمي الفتيات كما يجب، أو حتى تمدهن بحقوقهن في امتلاك أجسادهن وحق التصرف فيها وحدهن!

ختان الإناث مُجرَّم منذ عام 2007 بقرار وزاري من وزير الصحة حينها الدكتور "حاتم الجبلي"، بعد وفاة الطفلة "بدور" ابنة الاثنى عشر عاماً في نفس العام إثر ختانها، وأضيفت لقانون العقوبات مادة تنص على عقاب من يجري الختان بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنتين، أو بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيه. وتم ذلك بعد إصدار الأزهر بياناً بتحريم الختان واعتباره عادة تناقلت بسبب الجهل من جيل إلى الآخر ولا علاقة لها بالدين وأكد على عدم وجود نص شرعي صحيح يدعو لذلك.

وبالرغم من مرور قرابة تسع سنوات من إصدار هذا التشريع، إلا أنه لم تتم المحاكمة سوى لشخصين في نفس القضية، وهما والد الطفلة "سهير الباتع" التي توفيت إثر ختانها في عام 2013، والطبيب الذي أجرى لها العملية، وقضت محكمة الاستئناف بحبس والد الطفلة ثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ، وحبس الطبيب سنتين بتهمة القتل الخطأ، ولم ينفذ الحكم، لنجد الحكومة تُطل علينا من جديد بتغليظ للعقوبة التي لا تطبق من الأساس، بعد ما ثار من غضب للرأي العام حول وفاة "ميار" ذات السبعة عشر عاماً التي ماتت هي الأخرى إثر ختانها هذا العام.

ولكن في ظل مراعاة المادة 242 مكرر من قانون العقوبات للمادة 61 لن يكون هذا غريباً، والتي نصها كالآتي "لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن لإرادته دخل في حلوله، ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى". حيث إن الإشارة إليها في المادة الخاصة بالختان تعيق تجريم الممارسة والسيطرة عليها بشكل قضائي لأنها تعطي المبرر للطبيب بأنه أقام تدخل جراحي لمعالجة الفتاة من جلد ضار أو أي شيء آخر من هذا القبيل مدعياً أنه خطر عليها، فحتى إذا تمت معاقبته لن يعاقب لأنه قام بجريمة الختان، أو لكونه تسبب في جرح أفضى إلى موت الضحية، بل ستتم معاقبته كقاتل بالخطأ.

في آخر إحصائيات لختان الإناث في مصر، وجدنا أن مصر تنافس عالمياً على التصدر بالمركز الأول حيث تصل نسبة الإناث المختتنات إلى 91% في القرى، و85% في المدن من السيدات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15-49 عاماً أي أنه تقريباً بين كل 10 سيدات في مصر توجد واحدة فقط هي التي نجت من تلك الجريمة، لنجد أن الدولة لا تتحرك سوى أمام حالات الوفاة التي تثير غضب الرأي العام فقط، تتوفى "بدور" فنضع قانوناً لا نفعله، تلحقها بعدة سنوات "ميار" فنغلظ العقوبة ونترك الوضع كما هو عليه كما حدث، وكأن الدولة تأخذ خطوات وهي واقفة في مكانها، تقوم بتسكين الآلام بدلًا من معالجتها.

فهل الأولى بالعمل هو تغليظ العقوبة التي هي مجرد سطور جديدة تضاف إلى بعض الأوراق، أم العمل على حث السلطات التنفيذية للقيام بدورها في ملاحقة المجرمين وتطبيق القانون القائم على من يقومون بذلك، أو حث المنابر الإعلامية على تقديم التوعية المطلوبة للأفراد بأضرار الختان وآثاره، والسعي للارتقاء بوعي المجتمع بدلًا من تركه غارقًا وسط مجموعة من الخرافات والترهات؟!

فكيف يتشكل للمجتمع وعي سليم، وترتقي ثقافته وأخلاقه دون أن تقوم الدولة بواجبها للمساهمة في بناء ذلك، فنحن أمام ظاهرة وضعت لها قوانين تجرمها منذ تسع سنوات ورغم ذلك ما زال الشعب يمارسها دون إدراك منه بأنه يرتكب جريمة، فالقاتل يدرك تماماً أن قدومه على القتل خاطئ وغير قانوني رغم قيامه به فيحاول فيما بعد التهرب من الجريمة، ولكننا أمام مواطنين يقومون بجرائمهم تجاه الإناث من أبنائهم بإشهار في أعين النهار ولا يعترفون بالقانون من الأساس ولا يرون فيه جرم أو حتى خطأ صغير، فهم فقط لم يروا من يحاكم من أجل تسببه في ختان ابنته، لم يروا من تغلق عيادته أو مشفاه بسبب قدومه على تلك الجريمة.

كيف سيدرك الذكر المقبل على شراء المنشطات الجنسية، أن ختان زوجته قد يكون أحد أهم العوامل التي تقوده إلى ذلك، حيث إنها لا تصل للذروة بشكل طبيعي كما السيدات غير المختونات، مما يجعله بحاجة إلى مزيد من القدرة التي لا يمتلكها فيلجأ للمنشطات التي تساعده على القيام بذلك، وأنه ليس بالضرورة يعاني من المرض أو الضعف.

وكيف سنضمن حتى توقف من تعرضت لذلك عن ممارسته مع ابنتها، فهذا هو الموروث الذي جعلها لا تدرك أنها ضحية في الأصل، لا تعلم أن ما حدث لها انتهاك وجريمة أقرها القانون، وأثبت أضرارها العلم، وعجز عن إثبات صحتها الدين، فكيف سيحدث كل ذلك ما دمنا نعيش في هذا الكم من الجهل الذي لا تسعى الدولة للقضاء عليه أو معالجته بأي شكل من الأشكال، حتى أنها تبدو راضية عن ذلك!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.