المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسراء رجب Headshot

رابعة العدويّة.. وإرثُنا الثقيل

تم النشر: تم التحديث:

أربع سنوات عجافٍ مرّت منذ شهد ميدان رابعة العدوية القابع في الطّرف الشرقي من مدينة القاهرة، إحدى أبشع عمليات القتل الجماعيّ في تاريخ الدولة الحديثة، والتي لا تزال آثارها في امتدادٍ حتّى الساعة من خلال الملاحقات والتّصفيات وحملات الاعتقالات العشوائية والمحاكمات الهزلية، وكأن كل الدماء التي أريقت على أثر المذبحة لم تكن كافيةً لإرضاء غاياتِ النظام الأمني ولا إشباع رغباته المتراكمة عبر السنين في اجتثاث أصول التيار الإسلامي والعصف بمواردهِ وقاداته، والتنكيل بِهم، والقضاء عليه حتى يتسنّى له الإمساك بأركان الدولة دون ضجيج، وبيدٍ من حديد، غيرَ آبهٍ بكل ما صدر من إداناتٍ حقوقية ودولية وتظاهرات وغضبٍ شعبي من شأنِها أن يُقيم الدّنيا ولا يُقعدها فقط لو قُدّر للحدث أن يكون في مكانٍ آخر أكثر أهميّة، لكننا بِتنا ندرك جيداً أن معايير حقوق الإنسان في عالمِنا أصبحت تتحدد بحسب البُقعة الجُغرافية.

لم تكن رابعة هي هزيمتنا الكبرى، بل سبقها مسارٌ كاملٌ من الأخطاء المسكوت عنها عمداً أو تحت مظلة النوايا الحسنة، وادّعاء الغلبة والتفوّق ورؤية الحق أبلجاً لا شِية فيه، أو كَنتاج لضعفِ الحنكة بالعمل السياسي إلى جانب تآمر منظم تقودهُ قياداتُ الدولة العميقة والتي لم تسقُط بسقوط مبارك في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، وإنما قويت، واستوت على سُوقها؛ لتخلق نظاماً انقلابياً وطأ بقوة الدبابة كل ما توهّمنا امتلاكه عقب ثورة يناير من شرعية الصندوق وسيادة القرار، بجُهد لم يكن يُدار اعتباطاً، وإنما بحذرٍ وفهم جيد لمُجريات الأحداث، بالرغم من ذلك لم يبذل التيارُ الإسلامي جُهداً للخروج عن هذا الإطار الذي تم رسمُه له بدقّة، وإنّما انساقوا إليه مُذعنين، كل ذلك خلق متتاليةً من الأخطاء تحتّم بها أن تنتهي بفاجعة مثل فاجعة رابعة والنهضة وكل ما تلاها بعد ذلك من أحداث.

أربعُ سنواتٍ مضت أدركنا من خلالها أن ما تم من توثيقٍ هائلٍ للوقائع من كلّ زواياها وبكل تفاصيلها وأشكالها وتبعاتها، لن يغني عن مراجعةٍ فكريّة محايدة، ومحاولة واقعية لقراءة الأحداث بصورة أكثر شفافية، وسعي حقيقي لتصحيح المسارات واستدراك الأخطاء ومناقشة الاجتهادات السياسية، ومحاولة تحجيم الهوّة الشاسعة التي تفصل المعارضة المناهضة للحكم العسكري - والمتمثلة بشكل كبير في فصائل التيار الإسلامي - عن النهوض مجدداً والقيام بدور حقيقي فاعلٍ في استرداد أهم مطالب الثورة.. ولعلّ هذه الأدوار ليست مقصورةً على رؤوس العمل السياسي فحسب، وإنما هي فرضٌ جماعيّ على الثائر الحقّ، والمثقف الحقّ، والإنسان الحقّ في وجهِ كل مَن تعدّى على حقه في الحياة ومارَس سُلطته في سلب أبجديات حقوقه الأساسية من حرّيته وحياةٍ كريمة.

لم تكن مجزرة رابعة العدوية سوى لحظةٍ نموذجية، وصورةٍ شديدة الرمزية والدلالة على نزالٍ غيرِ عادل، بين دولة عسكرية - أو كما وصفها يزيد صايغ في كتابه "دولة فوق الدّولة" - تقاوم محاولة اقتلاعها من جذورها، وبين شعبٍ أعزل خرج منادياً بشرعيّةٍ من شأنها أن تزيح الدّولة العسكرية وتُضعف من قبضتها ونفوذها.. بين أنصار الديمقراطية وأنصار الدبّابة، بين استكمال مسار ثورة الخامس والعشرين من يناير وبين تحالفات الدولة العميقة والثورة المضادة؛ لذلك كان الرّد بهذه الطريقة حتمياً وليس مُستغرباً؛ ليُثمر خسائِر جليلة، وسقوطاً لا نعلم متى سيحقُّ لنا النّهوض منه.

إن ما حدث في الرابع عشر من أغسطس/آب قبل أربع سنوات لم يكُن مذبحةً بحقّ المعتصمين فحسب، وإنما هي مذبحةٌ قيميّة وأخلاقية واجتماعية، تكشّفت عن أنفُسٍ بغيضة، وطائفيّة مقيتة، وتلاعب بالعقول، وغسيل للأدمغة وتزييفٍ للوعي، وتحريض أعمى، وقدر كبير من الكراهية والسّخط وطِئ بقدميهِ كلّ المبادئ والروابط الآدمية، كما تكشّفت عن أمراض اجتماعيّة لطالما تعوّذنا منها، ولم ندرك يوماً أنها مترسخةٌ بيننا نراها رأي العين دون أن نُبصرها، وعلى مقصلتها تقطّعت روابط كانت يوماً ما وثيقة.

ستظلّ مجزرة الميدان الذّي سمي باسم العابدة المتصوفة، عاراً يقضّ مضاجع القتلة، وجريمةً لا تسقُط بالتّقادم، وندباً غائراً في أرواحنا، وسؤالاً لا إجابة له، وثقلاً يجرّ النفس خلفه بلا أدنى قدرةٍ على التحرر من صُور المكان والزمان، لكننا أمام ذلك كلّة نواصِل المقاومة، بكل ضعفنا وشتاتنا وقلّة حيلتنا؛ كي لا تستحيل ذكرى رابعة إلى مناسبةٍ كربلائيّة بكائيةٍ باهتة، لا تُرجع حقاً، ولا تنصُر مظلوماً، ولا تفكّ قيداً، ولا تُعيدُ مهجّراً، ولا تفتحُ أبواب زنزانة، ولا تُنير سبيلاً للحرّية، ولا تستردُّ وطناً مسلُوباً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.