المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسراء بهاء الدين محمد  Headshot

رمضان بنكهات ذهبت

تم النشر: تم التحديث:

تبدأ بطَرْقات خفيفة على باب الذكريات الحبيسة التي لا تخرج إلا في المناسبات لتنهي ما بها من سعادة.

ويأتي رمضان كعادته كل عام بعد الانقلاب بالحساب البسيط هذا رمضاننا الخامس ويصبح جرحنا غائراً وصعب الالتئام.

ولكن رمضان رابعة كان كالحلم الذي لم نستيقظ منه بعد، وكالمرض الذي لم نُشفَ من سقمه، بل نحب هذا السقم؛ عشنا هناك ما لم نختبره من قبل، لوهلة من الزمن تخيلنا الصحابة يَمُرون من بيننا، وعشنا جواً من التاريخ كأن شخصيات الكتب التي تربينا عليها تعبر من بيننا.

عقولنا الصغيرة أوحت لنا بما تتمنى أن تعيشه، بما قرأت في صفحات التاريخ؛ وعشنا ما زُرع في قلوبنا من حكم وأخلاق، حقاً إنها المدينة الفاضلة.

بعد أربعة أعوام نبحث عن طقوس أحببَتنا وأحببناها بها نجد لرمضان الطعم التي نضجنا عليه.

مجرد البحث بداخلنا عن مصدر الألم الآن يصيبنا بالصمم هل ما زال بداخلنا أي طعم للحياة غير الألم؟

بضع دمعات تفلت من بينها ابتسامة لحنين جارف، بضع تمرات في كيس من البلاستيك في أيدي أطفال لهم نور من الجمال قبل أذان المغرب يبحثون عن أشخاص صائمين ويأخذون الأجر.

معلمة بشوشة يتحلق حولها زهراوات تتعالى أصواتهن بأنهن صائمات، وعلى عيونهن أمل ينمو وبذرة تزهر وفي قلوبهن تُحفر قيم الحياة.

صلاة تراويح في كل المساجد تصدح بالتكبير والتهليل بأننا على موعد مع صديق حميم ولا يجب التأخر.

تجمع العائلة على فطور مُعد بآيات المحبة والامتنان لوجدهم في الحياة..
العائلة الكبيرة التي لا ينضب نَسْلُها، من تعينك على طاعتك، مَن نشعر معهم أنك لست وحيداً في الأرض، وأن لك غايةً من خلقك، وأن لك من الأعمام والخالات إلى ما لا نهاية، ومن الإخوان مَن أنت في عيونهم وقلوبهم معاً.

وتأتي الأيام العشرة بصيحات هلمّوا إلى مساجد الله، قد حان الاعتكاف، وأرى مسجدنا الصغير أصابه هالة من نور، وفرح بقدوم الأحبة مهما تباعد بينهم الدنيا يأتون في المعاد ككل عام.

ضحكات نسمعها نحن النساء من خلف الستار، صيحات أطفال صغار، كلمات شيوخنا الكبار..
ويأتي عمو فلان ويقول: "تلمسوا مصاحفكم فإننا في خير أيام الدنيا لعلنا نُعتق".

وعند الشروق عندما تتحلق الفتيات حول أمهاتهن، وترى الشباب فوق سطح المسجد كلهم ككل عام ينتظرون رؤية الشمس.

هي طقوس كاملة إن غاب أحدها غاب الآخر، وسيأتي رمضان وقد غاب الأذان عنا، وقد غاب الأحبة عن بيوتهم، وغُيبوا عنا بمنع التراويح بمنع صوت الصلاة، وقد غاب أصدقاء المسجد والشروق في بلاد الأرض أو خلف القضبان؛ وقد غاب عنا الاعتكاف أيضاً!

مسجدنا الصغير المتألم أسمع أنين شوقه كل ليلة لمن تخلفوا عن الميعاد قهراً.

وأرى أعين الأطفال ذبلت من الأمل، ومنهم من يخشى أن يمر أمامه ويبكي لبكائه، يخشى أن تتلامس الأعين ولا يجد ما يقوله.
هل لنا برمضان نعيشه ويعيش فينا؟!
كل هذا وسيمضي رمضان فينا كما مضى من قبل.. هل يمكن أن يأتينا رمضان بنكهتنا نحن؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.