المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

اسلام مجدي  Headshot

ما يعنيه أن تحيا في قاع المجتمع المصري

تم النشر: تم التحديث:

بكل بساطة، إن حاولت أن تسأل مواطناً مصريًّا.. ما الذي يعنيه لك وطنك؟ سيصمت قليلاً ويفكر، ثم يجيبك بإجابة غير متوقعة وصادمة للغاية: معلش تأخرت على طابور العيش أو ميعاد العمل والنظام لا يرحم.

دائرة النظام اليومي في مصر تسير كالتالي: تذهب إلى العمل تعود لتنام وتصحو لتكرر ما قمت به سابقا، وكأنما تحيا أحداث فيلم Groundhog Day لبيل موراي من دون أي تجديد، فقط تكتسب بعض المهارات الطفيفة غير المحتسبة.

مشكلة ما يحدث بمصر أن الجميع لا يتعلم أبدا من الماضي، تجد الشاب يلعب كبار السن ومن يخالفونه، وحينما يبلغ تلك المرحلة التي كان يلعنها يكرر نفس ما كان ينتقده.

لا أحد يتعلم من أخطاء السابقين ولا أستثني أحداً، دائماً ما نتحدث عن إعادة التاريخ لنفسه لكن وبنظرة عادلة للأمور، إننا من نسعى خلف تكرار كل الأحداث نكررها بكل حذافيرها السابقة، خوفاً من كسر الروتين والتغيير.

بالنظر إلى أي حادثة في بلدنا العزيز، فلن يتغير الأمر حتى وقع الخبر على أذن سامعه، إن هي إلا لحظات ويتخطى كلمة الوفيات، وإن كانت حالة وفاة واحد سيرد ويستنكر، ثم يخبرك: ماذا.. حالة وفاة واحدة فقط؟ إذاً نحن بخير.

لم تفهم شيئاً من السطور السابقة؟ إنها متلازمة الحياة في مصر.. أن تحيا نفس الظروف السابقة، أن تعيش وكأنما تنتظر حياة أخرى يكون لديك حال آخر وأموال كثيرة لا تعرف ماذا تفعل بها، ونفوذ وسلطة أن تنظر دوماً إلى الأعلى وتكتشف أنك ما زلت في القاع.

الحسبة بسيطة للغاية.. إنها حسبة قمة وقاع، لم يعد يوجد وسط للأمور، لا يوجد خير، تلك هي الفكرة التي تتواجد بين السطور، إن من يتمكن من قهر الآخرين سيفعل هذا وبنفس راضية.

إن حاولت أن تسأل أحد المواطنين، وأنا منهم من هو رئيس الوزراء فلن يجيبك لم يعد يعني الفرد اسم المسؤول بقدر ما يؤلمه أن صاحب النفوذ لن يقدم له أية إضافة ممكنة.

ما يهم المواطن في قاع المجتمع حقًّا، هو كرامته، قوت يومه.. وبضعة أشياء أخرى قد لا يذكرها لن يهمه انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، حتى وإن أصبح الدولار بـ11 جنيهاً كل هذا غير مهم إطلاقا، فهو مشغول بهمومه اليومية والأمراض الكثيرة.

لا يعني شيئا على الإطلاق أن يكتشف العلم أخيرا أن أينشتاين على حق، فالحق الذي يطمح إليه المواطن هو حق العيش وليس الفارق بين نيوتين وأينشتاين.

حاليا تتجه معدلات البطالة الكبيرة إلى الارتفاع، لكن الحديث الدائم هو وبطريقة عدائية من المسؤولين، مطالبين الشاب بالعمل في بيع الفريسكا ونسيان أعوامه التي قضاها يدرس ويجمع الشهادات اللازمة للعمل في وظيفة مناسبة.

الأجور تنخفض إلى حد سيئ للغاية والتوزيع غير العادل لها، مقابل ارتفاع تكلفة المعيشة، وذلك نتج عن ارتفاع الأسعار والسياسات المبجلة التي تفشل كليًّا في التعامل مع التجار، والتي نتج عنها فروق قاتلة تجعل الموت أسهل من العمل أحياناً.

هل حاول مسؤول ما في مصر يوماً، أن يتخطى حد البحث العلمي عن الفقر والفقراء والفروق الاجتماعية والاتجاه إلى أرض الواقع وتطبيق منهج ما من شأنه أن يتعامل مع تلك الحالات بطريقة منطقية؟

هل سيقلق مواطن يوماً ما من حبه لبلده في حين إنه يحيا في قلق يومي من فقدان وظيفته أو عدم إيجاد قوت يومه؟ إن حب الوطن غريزة فطرية هذا ما تربينا عليه لا أنكر هذا ويجري بدمانا لكن بكل واقعية حب الوطن يأتي بسبب الإحساس التام بالأمان وليس الحياة المتوترة الأليمة التي ينتج عنها قلق دائم.
إن حالة النزوح الجماعي وفقدان الأمل واليأس التام من حالة الوطن هي ناقوس الخطر الأخير الذي يدق الأبواب فإما أن ينتبه المسؤولون لتلك الطرقات أو ينتهي الأمر بكارثة.

فكرة أن هناك فجوة كبيرة بين فئتين في بلد ما يخلق غابة. نعم، يجب أن يكون هناك تباين في المعيشة لكن لا يجب أبدا أن يكون هناك مفهوم "فوق وتحت" فالفكرة أن يكون هناك اختلاف، وليس تضادًّا، تخيل أن يحدث ما كنا قد قرأناه يوماً في رواية أو شاهدناه في فيلم، أن نجد الوطن قد انقسم بين الأغنياء والفقراء تخيلت؟ تلك ليست بكارثة بعيدة فقط مسألة وقت.

غياب الحلول والتفكير المتحجر القديم لن يسمح سوى بزيادة توتر الأوضاع، والحديث المعسول لن يجدي نفعا، إما أن يرى الفقير حلولاً تفيد حقًّا أو نقبل على "يوتوبيا" من نوع خاص.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.