المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إنجي إبراهيم Headshot

بعد الجواز مفيش زانتاك.. فى استقرار

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: التدوينة بالعامية المصرية

من شهر كده استقبلت مكالمة من مستشفى كنت روحت كشفت فيها على جهازي الهضمي، بيقولولي إن بيزورهم اليومين دول خبير أجنبي في أمراض الجهاز الهضمي، وبيسألوني لو كنت حابة أحجز عنده، بغض النظر عن إني استغليت المكالمة في إني أشتكي الدكتورة اللي كشفت عندها في المستشفى دي من حوالي سنتين أو أكتر، إلا إني اكتشفت حاجة مهمة بعد المكالمة، اكتشفت إني خفيت.

عشت فترة طويلة أوي من حياتي مريضة قولون عصبي، أخدت كميات مهولة من الأدوية، وعملت أشعات وتحاليل وحيرت دكاترة، الرحلة دي ابتدت من بعد التخرج مباشرة، ولحد بعد الجواز بفترة قصيرة، مفكرتش في الموضوع بوضوح كده غير لما قالولي اكتبي عن الاستقرار.

اكتشفت إن الجواز -رغم كم المسؤوليات المرعب- اداني حاجة مهمة جدًا غيرت في روتين حياتي بشكل خرافي، يكفي دلوقتي إني مبقومش من النوم أصرخ من ألم بيقطع أحشائي، ولا بلف على دكاترة مش فاهمين أنا عندي إيه، مبقتش مضطرة آكل شوربة خضار وفراخ مسلوقة باستمرار، ولا أمشي في شنطتي شريط "ليبراكس" وحقنة "زانتاك" عشان الطوارئ، ده أنا حتى ممكن جدًا أرمي حقنة الـ"سيتافين" الموجودة في درج الكومودينو، تلاقي صلاحيتها انتهت خلاص، يجعل كلامنا خفيف عليهم يعني.

بعد الجواز بيحصل استقرار، بقيت عارفة أنا رايحة فين وجاية منين، مبقتش بجري في الدنيا بأنفاس مقطوعة، مش عشان الجواز هو نهاية المطاف، بس أنا بقيت دلوقتي عارفة المعارك اللي المفروض أدخلها ومبضيعش مجهودي في معارك خاسرة.

قبل ما أتجوز كنت بحارب على كل الجبهات، مكنتش مستقرة في شغلي لأني أصلاً كنت بشتغل شغلانة مبحبهاش، وكان سهل جدًا أقدم استقالتي من أي مكان لأي سبب، مكنتش ببقى عارفة أنا إيه اللي جابني هنا أصلاً، أنا بحب الكتابة وحلمي إني أكون كاتبة، إيه بقى اللي بيخليني أقعد في ميتنج بيناقش المبيعات؟ طب ليه ببعت ميل لشركة شحن بضايع؟ وليه قدامي ع المكتب ورق كتير أوي وملفات محتاجة تتأرشف؟

طول الوقت كنت قلقانة، هكمل في شغلي اللي مبحبوش؟ طب هنعرف نتجوز أنا ومحمد رغم كل العقبات اللي قدامنا؟ طب والكتابة؟ صحابي هيفضلوا صحابي؟ حياتي شكلها هيبقى عامل إزاي بعد كام سنة؟ هتخن؟ هخس؟ طب هسافر؟ طب مسافرش وأتمسك بحلم الحب؟ طب والكتابة؟ طب هنعرف نتجوز أنا ومحمد؟ دوامة أسئلة كانت بتنتهي دايمًا بنوبة قولون عصبي شرسة، وصريخ لا متناهي، يشتت انتباهي عن التفكير ويخليني أفكر.. هو أنا مجنونة زي ما الدكاترة بيقولولي؟

اتجوزت واتنقلت للقاهرة، وطبعًا سبت شغلي (اللي مبحبوش) وابتديت أفكر تاني، طب افرض احتجت تاني لظروف مادية إني أشتغل؟ هبقى بعدت عن سوق العمل فترة طويلة، هل هعرف أرجع؟ وبالتدريج الشديد ابتدا الجواز يديني نوع من أنواع الأحاسيس الجديدة اللي خلتني -بصعوبة شديدة- أتعامل مع كل الأفكار دي.

بعد الجواز استقريت، بقيت عارفة أولوياتي، ودماغي اترتبت، أولاً استقريت نفسيًا فمبقتش بفكر المفروض أعمل إيه بكرة، أيوة أنا فعلاً كنت كل يوم بحس إني متأخرة خطوة، دلوقتي بقت خطواتي محسوبة وعارفة إيه هيحصل امتى، ع الأقل عندي خطة واضحة والتوفيق ده بتاع ربنا.

فهمت إني لازم أركز في الشغل اللي بحبه، وابتديت فعلاً أوسّع نطاق شغلي واحترفت الكتابة، مش هخبي عليكم أنا آه لسه بقلق وبسأل نفسي أسئلة تخص الشغل والكتابة، بس حدة الأسئلة خفتت شوية، الاستقرار بتاع الجواز خلاني واقفة على أرض ثابتة قادرة أنطلق منها وأشوف باقي فروع حياتي، بطلت أقلق على علاقاتي بصحابي، وعرفت إن المجهود المضاعف اللي كنت ببذله في سبيل الاحتفاظ بعلاقاتي مش كله كان مجهود متوجه صح، عرفت إن الحياة مراحل، وكلنا مش دايمين، وبقيت بتقبّل خسارات البشر بسعة صدر أكبر من الأول، استقريت ماديًا ومبقاش همي الأول إني أشتغل أي شغلانة تجيب فلوس، بقى همي إنى أحارب عشان أشتغل الشغل اللي بحبه وأجيب منه فلوس، آه لسه عندنا مشاكل مادية بس ع الأقل بقينا عارفين دخلنا ده المفروض يتوظف إزاي مهما كانت قيمته، استقريت عاطفيًا واختفى إحساس الهلع بتاع السؤال الدائم: هنعرف نتجوز ولا هنكون أضعف من ظروفنا؟ والاستقرار العاطفي جاب استقرار جسدي، لأن مشاعر الحب بتولد جوانا احتياجات جسدية مش بيخليها تستقر غير الجواز.

اكتشفت إن الاستقرار اللي حسيت بيه بعد الجواز وتكوين أسرة كان دافع مهم يخليني أستقر في باقي أمور حياتي، واتعلمت أحط الأمور في حجمها الطبيعي، أصل مفيش مسؤولية من المسؤوليات الكتير أوي اللي كانت عاملالي حالة مستمرة من القلق هتكون أكبر من مسؤولية الجواز، وبالتالي بقيت قدام كل معضلة بحس إني "موت موتات أحلى من دي بكتييييييييييييير".

كل ده محستش بيه غير بعد ما قفلت التليفون مع موظفة خدمة العملا في المستشفى، وقلتلها إني خلاص مش محتاجة دكتور جهاز هضمي، مش معنى كده إني بطلت أقلق، إطلاقًا، أنا شخص مبيعرفش يعيش غير وهو قلقان وبيفكر، بس بقيت بفكر في التفاصيل مبقتش بفكر في قرارات مصيرية، ده تطلب إني آخد قرار مصيري واحد.. هو الجواز، وبعده بقت كل حاجة تانية مجرد تفاصيل هتكمل لوحة حياتي، التفاصيل اللي من غيرها أصلاً اللوحة مبتكونش واضحة، دلوقتي بقى عندي وقت أفكر فيها بدل ما كان مجهودي كله رايح في الإطار الخارجي للوحة، وضيعت وقت كبير من غير ما أظبط تفاصيلها.

بعد الجواز بيحصل استقرار، بيعرف قيمته أوي الناس اللي أسلوب حياتهم صاخب وبيفكروا كتير، أزعم إني من الناس دول، الناس القلقانين من جدوى وجودهم في الحياة، الناس اللي بيستهلكوا كميات خرافية من أدوية المعدة والقولون، الناس دول أول أكتر ناس بيقدروا قيمة وجود أرض ثابتة واقفين عليها، أينعم بيكون جواهم رعب كبير من فقدان الأرض دي لأي سبب من الأسباب، إنما في الأوقات اللي دماغهم فيها بترحمهم من الرعب ده، بيحسوا بسعادة حقيقية.

سعادة تشبه بالظبط سعادتي وأنا برفض أحجز مع الخبير الأجنبي في أمراض الجهاز الهضمي.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع نون

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.