المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إنجود الحجاج Headshot

في الرد على عادلة أوغلو: ولادة الأطفال وولادة الكتب يمكن أن تجتمعا

تم النشر: تم التحديث:

"تعارض بين الكتابة والأمومة، ليس هكذا بالضبط، إنهما فقط صديقتان لا تفي إحداهما للأخرى على الدوام".

هذا ما قالته عادلة اؤلو كما ذكرت أليف شفاق في كتابها "حليب أسود"، كاتبة تركية عريقة، كانت شغوفاً بالكتابة، وتزوجت إلا أنها آثرت عدم الإنجاب؛ لأن الكتابة والأمومة خطان لا يمكن تقاطعهما حسب رأيها، وسار على هذا النهج من قبل ومن بعد الكثير من الكاتبات أمثال إليزابيث هيلرت، وساندرا سنيروس، وإيميلي تان وغيرهن الكثير.

إذ إن أنهن جميعاً رأين أن الأمومة تحتاج إلى وقت وجهد مكثف يشغلهن عن عالم الكتابة والإبداع، فالكتابة تحتاج إلى العزلة إلى حد ما، ولكن الأمومة تحتاج إلى الانفتاح الدائم على الأطفال ومنحهم كل الوقت.

أضف إلى ذلك أن ولادة الكتب ليست كولادة الأطفال، فالأطفال يحتاجون إلى رعاية دائمة منذ اللحظة الأولى للولادة. أما الكتاب، فهو يولد يمشي ويسير وحده في الوسط الأدبي.

ومن جهة أخرى، هناك العديد من الكاتبات ممن استطعن مزج الأمومة والكتابة بشكل مذهل فكن أمهات جيدات وكاتبات بارعات، أمثال أليف شافاق، بيرل بوك، و"ج.ك رولينق" صاحبة سلسلة هاري بوتر التي كتبتها بعد ولادتها وأهدتها لمولودها. ومن الجدير بالذكر أنها قالت إن الأمومة هي مصدر إلهامها.

هؤلاء الكاتبات وجدن طريقة للمزج بين الكتابة والأمومة، واتخذن الأمومة دافعاً وملهماً للكتابة، فأتقن دورهن الطبيعي الجوهري ألا وهو الأمومة، فلا أعظم من الرزق بطفل وتؤدي واجبك تجاهه على أكمل وجه! وأبدعن في عالم الأدب فلم يخسرن ذواتهن وأحلامهن.

وفي المقابل، هناك العديد من الكاتبات ممن فشلن في امومتها فشلاً ذريعاً، مثل سليفيا بلات التي بدأت قصيدتها (مانيكانات ميونخ): "الكمال فظيع، لا يمكنه إنجاب الأطفال". وعندما لم تستطع أن توفق بين الأمومة والكتابة ماتت منتحرة بالغاز داخل فرن بيتها.

ولدينا نموذج آخر وهو الكاتبة موزيل سبارك التي حضر جنازتها عالَم بأسره عدا شخص واحد فقط؛ ألا وهو ابنها الذي كان على خلاف معها وقد اتهمها بالتقصير في حقه وانشغالها بعالم الأدب عنه.

هذه الفئة لم تُوفّق بين الكتابة والأمومة فخسرت نفسها أو أولادها.

ولننظر بتعمّن إلى هذه الفئات الثلاث: الفئة الأولى تخرج تماماً من المفارقة، فقد آثرت أن تبقى في بر الأمان ولا تخوض هذه التجربة؛ بل نظرت الى باقي التجارب عن بعد وقررت مصيرها.

تكمن المفارقة إذاً هنا بين الفئتين الثانية والثالثة، لِم نجحت الأولى ولم تنجح الثانية؟! ما السر وراء هذا النجاح؟! ما سبب هذا الفشل؟!

في الحقيقة، هنالك العديد من الأسباب، وهي لا تقتصر على شؤون الكتابة والأمومة؛ بل على شؤون حياتنا جميعاً، وخاصة المهمة منها، فلو أخذنا هذه الأسباب بعين الاعتبار فسننجح في كل ما نريده ونوفق بين الأمور المتضاربة مثل الكتابة والأمومة، وهي:

1- مواجهة الفشل، فالفشل أمر طبيعي في حياتنا جميعنا، يجب أن نقع ضحيته لنعاود الوقوف أكثر قوة ودراية بأخطائنا، فالفشل الحقيقي هو عدم التغلب على الفشل، فأليف لم تستطع الكتابة أو القراءة مدة طويلة خلال فترة الحمل وبعده؛ إذ إنها أصيبت باكتئاب ما بعد الولادة، ولكن هذا لم يجعلها تركن وتختفي عن العالم الأدبي؛ بل عادت بقوة وكان نتاج هذا الاكتئاب كتابها "حليب أسود"، وكتبت بعد ذلك كتابها المشهور "قواعد العشق الأربعون" وهي أم لطفلين. أعظم معارك الحياة هي معركة التغلب على الفشل وتصييره إلى نجاح.

2- إدارة الوقت والتنظيم، فنحن حين ننظم وقتنا نستطيع فعل وإنجاز الكثير، وقد ينظر إليك الآخرون مستغربين قدرتك على الإنجاز، في حين أنهم يملكون عدد الساعات نفسه، وقد يصل بك الأمر إلى أن يكون يومك أكثر من 24 ساعة. ولننظر إلى الكاتبة توني موريسون؛ إذ إنها كانت دائمة الرعاية لأطفالها واستطاعت أن تنجز الكثير في عالم الأدب، وقد صرحت بأن موعدها مع الكتابة كان مع الفجر قبيل استيقاظ أطفالها. امرأة نظمت وقتها وكانت شغوفاً بالكتابة فوصلت إلى ذاك المزيج المذهل بين الأمومة والإنجاز.

3- الاتزان، فنحن إن وازنّا بين أصواتنا الداخلية التي سمتها أليف جوقة الأصوات، التي يحمل كل صوت فيها جزءاً من الـ"أنا" خاصتنا، مثل "أنا" الأمومة، و"أنا" العلمية، و"أنا" الفتاة، و"أنا" الفيلسوفة، وغيرها من أصوات داخلنا.

إذا استطعنا أن نوازن بين هذه الأصوات دون إعلاء أحدها على الآخر، فإننا نستطيع أن نحقق ما نصبو إليه ونوفق بين أمور قد تكون متضاربة؛ كالكتابة والأمومة، إذا أحسنا إدارتها، فمثلاً النساء اللاتي أعلين صوت الكاتبة داخلهن على صوت الأم قد فشلن كأمهات أو آثرن عدم الإنجاب. أما من أعلين صوت الأمومة، فقد اندثرن في عالم أطفالهن وفي المطبخ بين البصل.

عندما تتوازن أصواتنا تتوازن ذواتنا فتغدو الأحلام أقرب. الإيمان، والوقت، والموازنة أهم الأمور التي تحدد مصيرك وإن كنت أن تقوم بواجبك في جميع الجبهات على أكمل وجهه ولا نغفل عن لزوم الشغف والعمل.

فالنجاح لا يأتي على عجل بل هو وليد صبر وجهد مكثف متعب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.