المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إنجود الحجاج Headshot

رسالة إلى صديق ربما أو للعالم!

تم النشر: تم التحديث:

رسالة إلى صديقي
كنّا للتو قد خرجنا من باب المستشفى الذي يوصل إلى الكلية بعد أن أنهينا أحد اللابات ونحثّ الخُطى إلى المحاضرة، لم يكن ثمة وقت للوقوف أو التوقف حينها، وكم شكرت الله سرّاً على هذا فيما بعد.

كانت إحدى الفتيات تبكي في الممر، تبكي وكأن لا أحد غيرها في الكون يملك دموعاً وحزناً ما ليبكيه، بطبيعة الحال جامعتي تُعرف بحرص طلابها الشديد على العلامات تصل أحياناً إلى مرحلة التدقيق على نصف علامة، فما كان من رجل الأمن إلا أن قال، وقد كان ذلك متزامناً مع مرورنا بها: "علامة يا عمو إذا علامة والله مو مستاهلة"، ألقيت نظرة خاطفة إلى الفتاة كنت أعرفها، كزميلة لا كصديقة فلم أكن أملك شجاعة الوقوف والسؤال، أبقى غريبة أمام هذا الحزن المجهول، السبب حينها وسؤالي كغريب لن يكون أكثر من ضرب من الفضول الوقح.

سؤال الغرباء يبقى فضولاً إلى أن يثبتوا عكس ذلك، أما الأحبة وحدهم سؤالهم ضرب من الاهتمام.

لكن صدمة الخبر كانت بعد ذلك بقليل، في الطريق "بدّي أروح أشوف صاحبتي ماتت صاحبتها"، لا أنكر أن ثمة صدمة أخذت تنقر في رأسي كالناقوس حتى الآن.

كان معي واثنتين من صديقاتي حينها لاحت نظرة رعب من عيني أيمكن أن أفقدهما يوماً؟ لكن ذعري الآن أكبر وأنا أخط هذه الكلمات رعب مشبع بالأرق، مشبع بالرعب بالفقد.

أرى الآن وأنا في صف محايد، ذات المشهد يتكرر في كل فقد، ذات الكلمات الروتينية كترنيمة مملة لكنها كطقس واجب بكره.

في يوم الدفن ذهب شباب الجامعة لأداء صلاة الجنازة، الأب سيسمع ذات الكلمات: "عظم الله أجركم"، "الله يصبرك"، "كون قوي أبو فلان"، كأن التي واراها التراب بيديه ليست ذات الفتاة التي دأبت على طبع قُبلة على جبينه، وكأنه لم يشِخ الآن عشرين عاماً.

أعتقد أن المنزل قد فرغ من المعزين والضيوف، وعلى كل الأحوال إنها الثالثة فجراً؛ حيث الساعة الأكثر هدوءاً ووجعاً في اليوم، الأم تقلب أشياء ابنتها كأنها تقلب جمرات الحزن في قلبها، في الصبح ستأتي الخالة الحنون لتجد أختها وقد نامت بين دموعها وأعراض غاليتها، "ماتت صغيرة احمدي ربك ما كانت أكبر وعندها ولاد"، ستهز رأسها بابتسامة صفراء في أحسن الظروف لهذه المواساة الكئيبة، لا أحد سيفهم أن مَن فقدت ليست فتاة في العشرين فحسب، إنها طفلتها المدللة التي كانت تملأ البيت ضحكاتها، ابنتها التي راقبت نموها وخطواتها، حتى نمو أسنانها فلذة كبدها فقدت لا ابنة العشرين!

أعلم علم يقين أن صديقتها الآن قد أرسلت آلاف الرسائل إلى كل حساباتها تحثّها على أن تجيب مرة وتعاتب غيابها مرة، وفي أخرى تخبرها بكمّ شوقها لها، مَن سيفهم الكون إن ما تفعله ليس ضرباً من الجنون ولا تحتاج شفقة غريب الآن فهي فقدت صديقاً، الصديق الحقيقي الذي تستطيع أن تضع كرامتك بين يديه وتغفو كطفل، ما عاد موجوداً؟!

مَن سيفهم الكون أن هالات أختها السوداء أعمق من مجرد حزن، ثمة سند قد غاب وجدار متين تستند عليه قد انهار، أي كلمة في كل اللغات قد تواسيها؟

حسناً، أظنك تسأل عن سبب هذه الرسالة الآن، في الواقع إنني شخص يخشى الفقد أشعر بهم جيداً، الآن أنظر إلى قلبي لأجد أنه يتأجج بكل ما في الكون من حزن ورعب وفقد، أردت أن تكون بجانبي يا صديقي؛ لترى ما حل بي من حزن، أردت أن أخبر العالم أن يكف عن مهزلة العزاء والشفقة هذه، لا أحد يستوعب حزنك، لا أحد يتذوق مرارة الفقد وذل الشوق.

أعتقد إن كنت هنا سأضع رأسي على كتفك لأصب كل الحزن بعيداً عني، لكن منذ رحلت لم أجد حتى من أضع كرامتي بين يديه، وأغفو كطفل، لم أعُد أغفو بسلام حتى.

بالمناسبة أفتقد تذمّرك من رواياتي التي لم أعُد أجد مَن أقرأها على مسامعه.

تنويه: كتبت ليقرأ الكون؛ لأنني سمعت أن الموتى تصلهم كل الرسائل المرسلة للعامة لا ما نحتفظ فيها بين أدراج مكاتبنا!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.