المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان نبيل Headshot

نفايات لبنان ومعجزة أوردوغان

تم النشر: تم التحديث:

قبل فترة وجيزة قابلت شخصية عامة، رجلاً إعلامياً من الطراز الأول، وتحدثنا في أمسية هادئة عن تركيا قبل أردوغان، وبصراحة صُدمت من وصف الرجل لتركيا التي أعيش فيها الآن.

قال لي حرفياً أنه عندما زارها قبل ما يقارب العشرين عاماً، كان تبديل العملة فيها- مثلَا-جحيما لا يطاق، لم يكن يجد صرافاً واحداً يرضى بتبديل أكثر من عشرة دولارات، لأن العملة تصعد وتهبط كل ساعة.

ناهيك عن مشاكل الإسكان والصحة والمواصلات والبنية التحتية.

أما إسطنبول، فكانت عبارة عن مكب نفايات كبير، والساحة الجميلة المسماة تقسيم، وشارع الاستقلال الذي يزوره يوميًا أكثر من مليون إنسان، كانا عبارة عن مكان تفوح منه رائحة الغنم من كثرة النفايات.

وبذكر آخر كلمة في سطري السابق، قفزت بيروت إلى ذهني ودمعت عيني، كيف أصبحت كلمة نفايات تذكرني ببيروت؟

فلبنان بلد أمي الفخورة بهذا الانتماء، والتي كنا نرافقها صغاراً وشباباً لزيارة بيت جدي، ونعد الأيام ونحن في الكويت، لتأتي الإجازة ونفعل ذلك.

وبيروت قبلة العربي والغربي للراحة والاكتشاف، عاصمة ثقافة الشرق وأناقته وذوقه ووجهه الجميل.

بيروت تبدلت الآن.. والآن أحس بألم في قلبي.

أقرأ وأسمع وأرى الصور المقيتة من عاصمة الشرق، التي صمدت أمام المحتل والجار والخاذل، ترزح تحت أكوام من القمامة.

كيف سيحل اللبناني الذي تعود أن يلجأ "للمعلم" في غياب الدولة ليتعالج ويتعلم ويجد وظيفة لابنه، بل وحتى قبرأ لأحد أقربائه ليحل له مشاكله؟ كيف سيحل هذه المشكلة؟.

وأين المعلم في هذا الصيف، سوى في إجازة في قارة ما؟

يا لبناني خذلك كل "المعلمين" وهذه المرة الخذلان غير، فهو جماعي، وأنت ملام لأنك الذي خذلت نفسك، منذ رضيت بعودة ذات الوجوه التي حكمتك قبل الحرب و"أدخلتك بحيط الطائفية" من زمان، فبدونها لا عروش لهم.

رضيت بجعجع وعون والجميل وجنبلاط وبرّي قبل الحرب، وأعدتهم وانتخبتهم وفديتهم بعدها، فلا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخففون عنك العذاب.

يشيخون نعم. لكنهم يتكاثرون ويورثونك وأبناءك لأبنائهم، فأنى لك أن يشعروا بقيمتك وأنت المصفق المنتخب اللاهث وراء وجوه أكل الدهر عليها وشرب وتقيأ و ...

يا لبناني من كان منهم شريفًا نظيف اليد واللسان اغتيل، والمعلم الذي تصفق له، غير المعلم الذي غنى له سعد المجرد أغنيته الشهيرة، فأنت لا ولم ولن تتعلم منه شيئاً، هو الذي يجب أن يسكت وأنت موجود، ويستحي ويستقيل و"يستاهل طيارة" ليعود من حيث أتى، عندما ترك لبنان وذهب إلى فرنسا وغيرها وتركك.

وينطبق على هؤلاء المعلمين في التمثيل عليك قول نزار قباني "احترق المسرح من أركانه ولم يمت بعد الممثلون، فمتى ترحلون؟"

المضحك المبكى أن القمامة التي يأنف اللبناني أن يعمل في جمعها، ويستأجر غيره ليقوم بذلك، هي التي توحد اللبنانيين الآن.

وربما هذا الخذلان الجماعي الذي طال كل الشعب بكل طوائفه، في صيف لاهب، جعل رائحة القمامة تفوح أكثر، ربما يفتح عين اللبناني لأن يأتي بربيعه على غرار البلاد العربية لكن في عز الصيف.

وأقتبس الحل هنا من بوست للإعلامية المبدعة فاطمة التريكي ابنة لبنان، التي كتبت على صفحتها في فيسبوك، معلقة على هذه الأزمة، "كان اللبنانيون يطمرونها- النفايات- ويُجلسون فوق قممها أمراء حروبهم، وقادة ميليشياتهم، وفسدة عائلاتهم السياسية المتوارثة، ويرشون عطور الديمقراطية لطمس الرائحة".

يستحق اللبنانيون أفضل من هذا المطمر الكبير.

يستحقون ثورة.