المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان الرنتيسي Headshot

في إسطنبول فاتني القطار ...

تم النشر: تم التحديث:

"فاتك القطار.." جملة بسيطة، فعل وفاعل، وأنت المجهول أو حتى أنك ستصبح الجاهل المجهول.. كلمات أكاد أجزم أنها مرت على مسامعنا جميعاً وتركت في أعماقنا أثراً سيئاً، كأنها ملخص "قطار فات به تنتهي الحياة".

في بلادي لم يكن يوماً هناك قطار، لم نرَ القطار سوى بألعابنا الصغيرة وفي كتب الدراسة حين درسنا وسائل المواصلات وعرفوننا إياه بأنه وسيلة توصلنا إلى وجهة معينة..

"فاتك القطار" جملة سمعناها بآذاننا لم تعِها عقولنا، ولكنها رسّخت في داخلنا أن الحياة تنتهي بفوات قطار مر من هنا، كأنه يأتي مرة واحدة في العمر فمن ركب كمن نجا ومن فاته خاب وخسر.

هنا في إسطنبول رأيت القطار للمرة الأولى وركبته وفاتني محطات كثيرة، وأخرى غادرته فلم يكن المناسب لوجهتي، وأحيانا أَغْلَقَ بابه في وجهي معلناً أني قد وصلت متأخرة، وأوقات يوصلني لنقطة تحول كان عليَّ أن أتركه لأستقل غيره، وفي كل الحالات كنت في النهاية أصل.
أتذكر أول مرة في إسطنبول فاتني فيها القطار شعرت بخيبة تحتويني فقد فاتني القطار، كم هو مؤلم أن تتهيأ للصعود.. يمضي الجميع إلا أنت..

تذكرت مقولة زرعت فينا أن فوات القطار لأمر جلل، لكن سرعان ما استفقت من كابوس أحكام وقوانين وضعها البشر، فقاعات كم دمرت من نفوس تواقة منطلقة نحو المستقبل.
فاتني القطار لن أعود أو أركن للقعود، ما هي إلا دقائق حتى جاء قطار آخر، ركبت، وانطلقت بشوق للوصول.
أيقنت يومها أن كل قطار يمضي خلفه ألف ألف قطار، ولكن عليَّ أن أستعد للصعود وسأصل حيث أريد.
قطار فات أو تأخر أو أغلق باباً كنت أهيم بدخوله.. سأنتظر قليلاً فقط حتى يأتي قطار يقلني حيث وجهتي..

تعلمت يومها أن قطار الحياة بما يحمل من علم ومعرفة ومهارات فاتني في بلاد كنت فيها خلفه اليوم قطار آت سيحملني ويحمل شوقاً في داخلي للوصول حيث النجاح.
فرص كثيرة في حياتنا ضاعت، بعدم إدراكنا لها ولأهميتها ووقتها فلم نغتنمها، أو ﻷسباب خارجة عن إرادتنا، ولكن الفرص تأتي، علينا أن نقف لحظة مع أنفسنا لننطلق ونمضي في قطار الحياة وصولاً إلى القمة حيث يقيم النجاح لنا فرحاً كبيراً احتفالاً بوصولنا.

إن الفرص لا تنتهي وتبقى يحوم طيفها حولنا حتى نراها بوضوح، علينا أن نرسم حولها هالتنا الخاصة وأمام عيوننا طريق المضي، وقت مناسب، خطط بديلة للوصول، نية معقودة بالمضي، لا توقف، لا عودة، فلنرَ النجاح ونختَرْ طرق الوصول.

من حولنا أفكار ومعتقدات تضرنا لا تضر من أعتنقوها، فلا نكترث بما يقولون، فإن قعدنا كنا من المغضوب عليهم، وإن مضينا كنا من الخارجين عن مسار الحياة.
فإن بقينا أخطأنا الوصول والنهاية غير سعيدة، وإن لحقنا بقطار أو محطة أخرى طال الطريق وكان الوصول أكيداً.

كم من صاحب عمل نام أطفاله على بطون فارغة من الطعام وهو يتعلل.. لا فرصة ولا عمل، والقطار فات وكأنه يرسم مساراً من الكسل، بات عاطلاً بلا عمل يتداعى الأسباب ليقنع نفسه بها ولسانه يقول: "هل بعد هذا العمر أعمل بكذا وكذا؟!".. "مهنتي هذه ولا يمكنني أن أقوم بغيرها".. "كل له رزق مقسوم فسيأتي رزقي حتماً".

أي عمر وأي رزق وأي مهنة، كل مهنة كسابقتها ستتقن فنها، وكل رزق معقود بسعي، وعن أي عمر تتحدث وهل حبيس البيت من الأحياء.

كم من فتاة زينوها بثوب أبيض ليس لها، وزفت إلى قدر غير أهل بها، وتعللوا بظل خير من فوات قطارها، وقنعت مسكينة فأصبحت تتغنى وساقها القطار الذي لم يفتها إلى الهاوية، فات عمرها وزهرة شبابها وباتت تبكي حياة الظلال لا حب يحتويها ولا حياة تزهر فيها.

وأجساد بلا روح أصبحت هي فتيات فاتهن قطار الزواج وكأنه يحمل ماء الحياة ولا حياة بفواته، قناعات وفقاعات فارغة أسقطها المجتمع على من ظن أنه الحلقة الأضعف، فاقتنعوا بها وأقنعوها لمن فاتها ذاك القطار، ركنت للجلوس، لا رأي، لا شخصية، لا علم، لا مهارة ترفع روحها للحياة أو تبصر بذاتها ونفسها نور النجاح.

لم يدعوها تستقل قطاراً غير قطار العرسان، في حين أن نجاحها ووصولها لا يحتاج منها إلا أن تفكر جيداً وتركب أول قطار متوجه نحو الجمال والحياة وستصل حتى لو تأخرت..
تصفعنا الحياة صفعات قوية منا من يستفيق على عمر مضى فيلحق بعمر آت، وهناك من يصفع فتراه يعطيها خده الآخر لتصفعه فهو لم يستوعب إن استمر بهذا الحال ستدوسه الحياة ويمضى الجميع على حطامه، لا أحد سينتظره أو يبكي على مستقبله الضائع ولا قطار سيتسع له يوماً..

إن فاتك القطار يوماً لا تعد بل اخلع نعليك واركض خلفه حافياً، سيصل قبلك ولكنك أخيراً ستصل.
ستدمى قدماك، وقد لقيت في طريقك ما لقيت، ستُشفى جراحك ويذهب الألم ويبقى للوصول طعم بنكهة النجاح والانتصار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.