المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان مسعود Headshot

العنف الأسرى وجرائم ترتكب باسم التربية

تم النشر: تم التحديث:

أُذهل كثيرا وأنا أُشاهد فيديو ما على مواقع التواصل الاجتماعي مُعنوناً بتحذير من هم أقل من 18 عاما بعدم مشاهدة الفيديو! وقبل أن يستدعيك الفضول لمشاهدة الفيديو تجيبك تعليقات من شاهدوا مقطع الفيديو بأكثر مما ستخرج به من مشاهدتك للفيديو فيذهبوا بأنه لا بد وأن يكون المقطع خاص بخادمة تضرب الطفل بهذه الوحشية استغلالاً لغياب الأهل عن المنزل!

ما هذه النكتة؟! من قال بأننا لا يمكن أن نتعرض للضرب والتعنيف سوى على عصي وأحزمة الغرباء وأن الأبوين ومن تربطنا بهم عاطفة قرابة لا يعرفون غالبا كيف هو شكل الحزام والعصا؟!

إذا تحدثت عني وعن ما حُكي لي من قرنائي في الصف بالمدرسة، فإن الآباء لم يتركوا حجة لم يضربونا من أجلها! بحجة التربية ضُربنا، وبحجة التعليم ضُربنا حتى وإن كنا متفوقين اللهم لأن أحدا ما في الصف نال درجة أعلى في مادة من المواد أو أن مجموعه الكلي أسعفه في نيل ترتيباً مُتقدما على الصف دون مرعاة للفوارق التحصيلية التي تكون بين شخص وآخر، وبحجة التقويم يضربون رغم أن التقويم غالباً ما يسقطه الآباء على مخالفة الابن لهم في أمر ما فهم يرونه يُصر على الخطأ حتى وإن كان صائباً فقط لأنه خالفهم ويُضرب ليعود للصواب الذي هو قناعة أبويه حول هذا الأمر وإن كانت قناعتهما خطأ فادح!

حتى بحجة الأكل والشرب تجد الكثير من الأطفال يتعرضون للضرب، والعذر على ذلك كله جاهز دائما من الآباء أن ضربهم ما هو إلا بقصد تنشئة أبنائهم متفوقين مُجردين من الأخطاء السلوكي، وإذا ما حاولت تنبيه أحدهم أن الضرب لا يُنشئ جيلاً خلوقا مُبدعا بل سيجعل من ابنه وابنته فرداً عدوانياً منكسر الشخصية لا يقوى على التفكير وطرح وجهة نظره في أمر ما لأنه ربط في ذهنه أن التفكير خارج رؤية من هو أكبر منه سيعرضه للتوبيخ يجيبك الأب بإصرار رهيب أن مسلكه العنيف في التربية هو درب الناجحين ثم يبدأ بالسرد لك حول فلان الذي كان يتم ضربه من مُدرسه وآخر من شيخه وكان ذلك سبباً في نجاحه وإبداعه!! حسناً من قال لك أيها الأب إن ضرب الابن من مُدرّسه يعود عليه بذات الأثر الذي يعود عليه من ضرب أبيه له، ثم وإن كنت مُحقا في قولك إن فلان من الناس ضربه أبوه فصار طبيباً حاذقاً! لماذا تفترض لابنك الظروف نفسها والتقبّل النفسي ذاته للأمر؟!

إنني دائماً أقول : الابن انعكاس لأسرته مهما ظهر من تناقض بينهما فلربما تجد الوالدين من أصحاب السمت الديني والابن والابنة غير مُستقيمي الأخلاق ثم إذا اقتربت من الأسرة وتعاملت معها تجد سبب انحراف الأبناء أن الأبوين لم يأخذا من التدين سوى مظهره فأوصل سلوكهما السيئ للأبناء التدين والالتزام مُشوهاً وبذلك انحرفا!

في المُقابل تجد أبوين آخرين لا يعلوهما سمت ديني وخرج من رحم الأسرة أبناء يُضرب بهم المثل الأخلاقي، ذلك أن الآباء أخذوا من التدين جوهره في أن يكونوا قدوة صالحة للأبناء في غرس القيم والفضائل وزرع مراقبة الله في قلوبهم ليحتفظ الأبناء باستقامتهم حتى في غياب الأبوين
إن انحدار الأخلاق وضياع القيم واختفاء الفضائل في المُجتمعات اليوم تليق كثيراً العشوائية التي باتت المنهج المُتَخذ به في التربية! والعشوائية التي أقصدها هنا هو ما أشرت له سلفاً باستسهال الأب في التعامل مع خطأ ابنه ومعاقبته بالضرب دون التدرج بخطوات أقل ضرراً من الضرب وأكثر نفعاً كمكافأته بشيء يحبه إذا أقلع عن الخطأ أو أن الأبوين لا يريدان التكلف على أنفسهما بالبحث عن الطريقة المُثلى للتربية في هذا الزمن المُنفتح الذي يمنح الأبناء الكثير من الخبرات قد يسبق بها خبرات والديه ورغم ذلك تجد الأبوين يستخدمان ما في ذاكرتهم من أساليب الأجداد في التربية!

لذا فإن كُنا نُنشد جيلاً يكون نواة المجتمع المسلم في إعادة تشكيل القيم وتصحيح شريحة كبيرة من المجتمع والرقي بها علينا أن نعود لبذور ذلك ومنشأه ونعيد هيكلة الوعاء التربوي الذي ينمو فيه الطفل فما لا يدركه الآباء أن الطفل لما هو فيه من ضعف يكون في أمّس الحاجة للشعور بالأمن والرعاية فإذا كان من يظن أنه ملجأه للأمن والرعاية هو مصدر تهديده وتخويفه فلمن يلجأ؟! ولماذا نبقيه متعمدين مُضطرباً خائفاً ثم ننتظر منه أن يكون سوياً متفوقاً؟!

وإنني لأناشد أولئك الذين تعرضوا لعنف أسري وذاقوا مُرَّه وألمه أن لا يعيدوا فعل الأمر ذاته مع أبنائهم بأي حجة وتحت أي ظرف لئلا نظل في هذه الحلقة المُفرغة ولئلا تتسع شريحة الاعوجاج الذي يُنتجه العنف الأسري في المجتمع..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.