المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان مسعود Headshot

أشعل أنوارك الحمراء لطموحك إذا خرجت عن المعيار المقبول

تم النشر: تم التحديث:

"مهند" موظف في شركة عقارات، اجتمع بهم المدير ذات يوم وأعلن ترقية زميل لهم لأنه كان سبباً في أن تحوز الشركة إحدى الصفقات الهامة في تاريخها، تسرّب إلى داخل "مهند" أنه ليته لو كان حاز هو هذه الترقية.

بعد نهاية دوام "مهند" عاد للمنزل وأثناء ما كان يهم بالدخول إلى المنزل لاحظ أن جاره قد اشترى سيارة فارهة، فحدّث نفسه أنه لو كان هو نال الترقية لكان تمكن من اقتناء سيارة مثلها بالمكافأة التي سيمنحه إياها المدير، وعندما ولج لداخل البيت أتاه صوت الهاتف فلما أجاب كان صوت صديقه يبشره بأنه قد نال درجة الدكتوراه! فقال لنفسه: زميل دراستي صار دكتوراً ومازلت موظفاً! ولم أحُزْ ترقية تمكنني حتى من تغيير سيارتي بأخرى جديدة!

مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين أمر فطري وغريزة بشرية؛ لذا جاء التوجيه الديني والنبوي بأن يتم تأطير مقارنة النفس بمن هو أقرب منه سعياً لله للتحفيز على مزيد من العمل تقرباً لله، بينما في أمور الدنيا يقارن الإنسان نفسه بمن هو أقل منه حظاً ليقنع بنعم الله عليه.. إلا أن هناك نوعاً من المقارنات يكون مُحبذاً وهو ما كان في أمور الدنيا كأن نقارن أنفسنا بنظراء لنا باغتتهم عوائق مشابهة لنا فتغلبوا عليها وحققوا طموحاتهم بأقل الإمكانيات؛ فيكون ذلك تشجيعاً لنا على أن نحقق أهدافنا بأقل ما نمتلك.. على أنه من المقارنات المحببة أيضاً مقارنة النفس بالماضي وما أنجزناه من خطوات صوب تحقيق الهدف وتقوية جوانب الضعف والإلمام بالخبرات التي اكتسبناها.

إن وضع المرء أحد الأشخاص نداً له يعود عليه بالسلبية فهو يجعله يحصر سقف طموحاته في اكتساب نجاحات ذلك الشخص، وهذا أمر كارثي؛ لأن الظروف المحيطة يستحيل أن تجتمع بدقة وإن تشابهت، ويبقى الحاسد في حلقة مفرغة بين حقده وبين عجزه عن تحقيق ذات الهدف الذي يظن أنه إذا ما حققه فإنه سيجرّد الآخر من إنجازاته! فالإنسان عندما يقارن نفسه بندّ له يدفعه إلى ربط قيمته بهذا الشخص وليس بذاته.

مقارنة الإنسان نفسه بناجح في محيطه يعتبره نداً له تُبرز أمام عينه السلبيات التي يحملها بداخله والمزايا التي يفتقر إليها إلى الحد الذي تحجبه من رؤية مميزاته.. لذلك عند مقارنة النجاح بآخر هناك قاعدة لابد من أخذها في الاعتبار (لكل منا قدرات متفاوتة صاغتها عوامل مختلفة).

كثير من تقويم الأهل لأبنائهم قائم على المقارنة بآخرين؛ لذا فللتربية علاقة مباشرة بزرع مشاعر سلبية لدى أبنائهم تجاه الناجحين بعبارات مثل (شقيقك أذكى منك! انظر زميلك في الصف أكثر هدوءاً من إزعاجك! ابنة صديقتي نالت درجات متقدمة عنك وأخجلتني بدرجاتِك الفاشلة!)، وغيرها من المقارنات التي تقتل ثقة الطفل بقدراته فيكبر وتنمو معه غيرة الطفولة فتصبح حقداً وحسداً.

من اعتقاداتنا الخاطئة أننا سنشعر بالراحة إذا ما نجحنا في تحقيق أهداف الشخص الذي نعتبره نداً لنا! كلا سنجد لنجاحنا الجديد نداً ثالثاً ورابعاً!

وأنا أرى أن لجوء الإنسان للمقارنة مع مَن حوله يعود إلى خلل ما في ثقته بنفسه ربما لتعرّضه لانتقاد دائم ممن حوله أو إخفاقه في الماضي في أحد جوانب حياته، رغم أن الكثير من قصص الناجحين تنبأ من حولهم لهم بالفشل إلا أنهم قرروا أن يكونوا ذوي شأن، المُهم أن نُركّز على ما نستطيع فعله وما تُسعفنا الإمكانيات التي بين يدينا لفعله وليس ما يذهب إليه خيالنا أن نفعله وأن نتيقن أن إرضاء كل الناس غاية لا تُدرك فلو ربطت إنجازك برأي من حولك فيه فإنك لن ترضى عن نفسك مُطلقاً.