المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان مسعود Headshot

عن الحرية أتحدث

تم النشر: تم التحديث:

من نعم الله علينا أن خلق الإنسان حُراً وبالحرية ميزّه عن باقي المخلوقات، فقد كانت أول نعمة نالها العبد من ربه هي تحريره من الحبل السري الذي يجعله أسيراً لاختيارات "أمه" على رغم كونها أشد الناس حرصاً عليه، فالحرية إذن هبة من الله للعبد ليس من حق أحد وإن علا سلطانه أن يسلبه تلك الحرية، لذلك فإن الحرية دائمة في ذات الإنسان ومُتجددة لديه كذلك فهو يهدف دوماً للتحرر من قيود استعباده مادياً أو سياسياً أو مصادرة حقه في الاعتقاد الديني أو حتى مُصادرة قراره الشخصي ومحاولة التدخل في تغيير دفة مستقبله.

وحين بعث الله نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام جعل العدل ميزان نشر رسالته، فلم يكن من حق فئة استعباد فئة أخرى ومصادرة حريتها، فقد جعل الإسلام حرية الفرد متلازمة لمن يؤمن به فالإيمان بالإسلام ونيل الحرية علاقة ممتدة متوازية لإقامة حياة المرء وواقعه، فقد تغنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن الحرية فقال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وقال أيضاً علي بن أبي طالب: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً"، وتغنّى أحد الفلاسفة بالحرية فقال: "لو أنك فقدت كل شيء ما عدا الحرية فأنت لا تزال غنياً".

فالإنسان ليس مُخيراً في اختيار بلده الذي ينتمي إليه ولا جنسه ذكراً كان أم أنثى وكذلك ليس مُخيراً في تحديد ملامح شكله أو لون بشرته وليس مُخيراً في نشأته أو اختيار أسرته، ولكنه بالتأكيد حُر في اختيار الحياة التي يتطلع إليها، وأن يُصلح من مستوى معيشته وصورة بلده، ولكي يسمو الإنسان بأحلامه لابُد من وجود نهج سياسي يمتلك مقومات الإدارة دون استئثار بالسلطة تحت مُبرر أنه الأصلح والوحيد القادر على قيادة البلاد وقمع الحركات والأحزاب السياسية عن أحقيتهم في الترشح لأية انتخابات تُمكنّهم من المشاركة في القرار السياسي.

ولقد ضربت الأنظمة العربية في بلادنا مثالاً قوياً في الانفراد بالسلطة قروناً، مُبررين ذلك بانعدام البديل الذي يضاهيهم الخبرة السياسية التي تحتاجها إدارة، وإني لأراهم على حق فيما يقولون! فكيف تُضاهي إجرامهم وإفسادهم أحزاب أُنشئت للدفاع عن ضمائر الشعوب؟!

أنظمة حكمت بالكُرباج وأجرمت دون أن تنال عقابها، وكيف تُحاسب وكل من وقف في وجه طغاتها زُجّ به في غياهب المعتقلات وربما قضى تحت وطأة التعذيب دون أن يسمع به أحد! ومن سيوصل معاناته إذا كان الإعلام الذي أُوجد ليكون ضمير الأمة وصوت معاناتها أصبح يُدار هاتفياً من مكتب "عبّاس" فلكل حاكم عربي عبّاسه!! فهو وسيلة للتصفيق لهم وتسويق إنجازات فنكوشية!

إعلام أُسس للمواربة على نكسات الأنظمة الاقتصادية والتعليمية وانهيار البُنى التحتية التي أوحلت فيها بلدان العالم العربي بفعل العصابات الحاكمة! فضلاً عن تجريف الكيانات السياسية التي تُمَثّل ضمير الشعب وتوجهاته والاكتفاء ببعض الهياكل الهامشية! حتى أصبح العالم العربي مستنقعاً تذبل شعوبه في الفقر والجهل والبؤس والتخلف العلمي على اتساعه رغم ما فيه من خزائن الأرض من نفط وغاز وأيدٍ ماهرة!

وسُدت لهم كل هذا أبواب التغيير الديمقراطي والتعبير السلمي، فلم يبق أمامهم مجالاً إلا الاندفاع للميادين سلاحهم الإرادة ودافعهم الطموح أملاً في مستقبل أكثر إشراقاً ينعمون فيه بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية واستجلاب رخاء العيش إلى بلدانهم التي انقضت حياة أبنائهم طلباً لها في سفن الهجرة غير المشروعة.

ورغم المخاض العسير الذي يمر به الربيع العربي من عدم تنظيم مطلقيه أو وضوح رؤيتهم مما سهل الالتفاف عليها، لم يفت هؤلاء في عضد وعزيمة الثائرين العُزّل من كل شيء إلا من سلاح الإرادة وواجهوا التآمر عليهم بمزيد من الإصرار على الفداء لأوطانهم للنهوض بها، ذلك أنهم يعلمون أن النبات يذبل إذا ما وُضع في الظل الدائم أو بقي في الظلام ولا تتفتح ثماره إلا في وهج الشمس، وكذلك الملكات والمواهب البشرية تتشقق عن مكوناتها في جو من الحكم المُنظم المُستنير والحرية المُطلقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.