المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان محمود الزويري  Headshot

حلول اقتصادية من وحي الطفولة!

تم النشر: تم التحديث:

على غير العادة استيقظت صباحاً وأنا "أبحبش وأنكش" في موقع الملكية الأردنية لأحجز تذاكر سفر؛ حيث لم أقم بالأمر كما اعتدت "قمّة في الهدوء والرواق"، ولم أستمتع بـ"ديباجة" التجربة فنجان قهوة قبلاً وفيروز، وبعدها دراما حقائب السفر التي يتم توضيبها "كما في فيلم (up in the air) وبطريقة جورج كلوني "المتكتكة".

بعد إجراء بحث مطوّل عن سبب فشل الشركات الريادية ولِمَ تعلن إفلاسها في فترة "الكازم" وهي المرحلة الحرجة في دورة حياة أي شركة ناشئة، ذهبت لإعداد الجرعة الصباحية من الكافيين، نصف الركوة ماء، بدأت بعيار القهوة، الملعقة الأولى، الثانية، الثالثة.. هذا تماماً ما كنت أفكر فيه طوال الليالي الماضية، ربما أن شهر أكتوبر/تشرين الأول قد أيقظ الحمّى النائمة!
قبل أعوام كنت أنتظر انتهاء الحصة الأخيرة بشغف..

في بعض الأيام حين يبدو البرنامج مملاً.. ولأن بيئة المدرسة مشابهة تماماً لمزارع الزيتون الخاصة بنا، جملة "بدنا نلقط زيتون" كانت أكثر من كافية لإقناع مربية الصف بالمغادرة باكراً، الجميع يعلم أن لدينا ما يكفي من الأشجار لتشغل العائلة وأصدقاءها الموسم كاملاً، كثيراً ما كنا نعتقد أن القطاف لن ينتهي أبداً.

الغريب أن هذه الجملة كانت تعمل عملها تقريباً في كل موسم لعدة أسباب، أولاً لأن المدرسة كانت محاطة بأسراب الزيتون التابعة لها كاستثمار خاص لتمويلها، حيث لا أحد يمكنه الرفض في ظل هذه الظروف وسط ثقافة قروية واحدة تجمع أهالي المنطقة من أصحاب مزارع الزيتون، وهي ضرورة الإنجاز كي لا يبرد الجو أكثر وكي لا تنوء الأشجار بأحمالها.

"المقلب" الذي كنا دائماً نؤكله للعائلة نحن "الأطفال" وبحجة أننا أطفال ونحب أجواء الإفطار الجماعي في المزارع والشاي على النار، أن هذه "المرمطة "من أجل أجواء استراحة الفطور أو الغداء!

من "وحل" الواقع وأننا أطفال كانت وظيفتنا أن نجمع الزيتون من الأرض في حين يتبوأ الشباب أعالي الشجر، ويقومون "بالحتّ" على رؤوسنا.. من الجيد أن الحب لم يكن "يفشخنا" في رؤوسنا حيث نجلس.

بعض الشجر كان كبيراً لدرجة أن الشباب في العائلة تضوج وبعد مشاورات مع الكبار "كأبي" يقوم بتوجيهات سامية بقص "الأغصان البعيدة المسماة بالشغف بـ"الشرشرة" وهو المنشار نفسه!

طبعاً تقليد قطف الزيتون لدينا يسمى "جدادة"، والجدّاد "بتشديد الدال الأولى الذي يضيع الوقت "بالسواليف" سيكون ضحية بهدلة أو منع، على الأغلب منع من استراحة الدخان الخاصة بالشباب.

على الغالب نحن أيضاً "نتبهدل" إذا جئنا وأعقناهم، بمعنى أنه حتى ولو لم نساعد يجب ألا نعيقهم.

المشكلة في وجود إنسان مثلي هناك أن الكبار أحياناً كانوا يتسلّون بعقد مسابقات من يجمع أكثر منا نحن جيل الصغار أو يعمل أكثر.. لكن في الغالب يتمحور الأمر حول استفزازي حتى أبكي خاصة أنني الأنثى الوحيدة من جيش الأطفال المشاركين!

الغريب أنه ومن المفترض أن يقوم أقراني بالدفاع عني.. لكن ما يحدث هو العكس أو أنهم لا يبالون أصلاً، لكن الأمر ينتهي أخيراً بأن نعذب حميعاً في أرض المعركة، ومن هنا بدأت بتغيير تكتيك المشاركة في التفريغ في "القُطمة" بضم القاف وهي كيس الزيتون الكبير، ولأن هذه المرحلة تأتي آخر النهار نوهم الجميع أننا تعبنا منذ البداية.

هذا التكتيك كان ذكيّاً جداً؛ لأن موقعنا الأصلي تحت الشجر لجمع الزيتون من الأرض ولأن الشباب في أعلى الشجر فليس لديهم فكرة أننا لسنا تحته.. ونسجل الظهور فقط في الساعة الأخيرة من المباراة ونسدد الجول في قلب "القُطمة".. طبعاً "مشوار" المعصرة كان يستأثر به الشباب وكبار السن، المشكلة ليست هنا، كنت أدقق لِم لا يذهب أقراني ولا أذهب أنا؟ "مطالبة بالمساواة من يوم يومي"!
المهم، سيارة التحميل المسماة LB كنت أشعر بها كأنها سيارة عروس!

في إحدى المرات جعلت أحد أبناء عمومتي الكبار يساعدني في الصعود في قفص التحميل.. وجعلت أنظر من فوق لأقراني أمد لهم لساني وأفرك يدي اليمنى مضمومة فوق اليسار في حركة دائرية لإغاظتهم، شكراً للقدير وبسبب قصر قامتي آنذاك "تناولني" أحدهم من بين الشوالات بعد أن كدت أن "أُقلِع" معهم في رحلة إلى المعصرة!

منطقة زيتون المزرعة القابعة خلف الدكان القديمة كانت الغنيمة الكبرى، بمعنى أن صورة الـ"$" تنعكس في عينيّ!

تلك المنطقه استراتيجية، ولأنها قابعة خلف الدكان وزيتونها قليل كنا نضيع اليوم فيها "نقاهة" لشُرب الكازوز على باب الدكانة وأكل البسكويت الإنكليزي.

من "نهفاتي" أثناء الطفولة، ولأن الدكان شراكة بين أبي وعمي كنت أظن أنني أشتري منها ببلاش وكنت "أسحب" جيداً بينما كل شيء مسجل في "الدفتر" وعند تصفية الحساب كل آخر شهر ينفجر أبي ضاحكاً على قناعتي البلهاء أننا نشتري ببلاش!

أيقظتني رشفة قهوة أخذتها بالغلط من الفنجان الساخن جداً..
وجعلت أمسح ما تدفق منها على الأرض وعلى المنضدة.. رجعت لموقع الملكية وأنا سارحة..
سبق أن حللت شيفرة "الكازم" في الشركات الناشئة أيام طفولتي، ولكني لم أنتبه لذلك قبلاً!

للبدء بمشروع ريادي عليك أن تصنع ثقافة الفكرة أولاً -كما كان لدينا ثقافة قطاف الزيتون قبلاً- أن تزرع بذرة في تربة خصبة أو تسمّدها، ولتنمي مشروعك عليك أن تقوم باستغلال الموارد وتقضي على الهدر، أحياناً عليك قص الزوائد، كما فعلنا في أغصان الزيتون للحفاظ على الأصل بحالة ممتازة!

ابحث عن فريق شغوف يملك هدفاً ويسعى لتحقيقه كي لا يعيقك، كما كان يحدث معنا أثناء جمع حبات الزيتون المبعثرة على الأرض، عليك أن تبحث عن الفرص وتطاردها هنا وهناك، ستجثو على ركبتيك قد تخدش نفسك وتصاب في ساقيك رغم ذلك فهي تستحق العناء فمنها تستخرج ألذ قطرات الزيت!

أحياناً كأنثى عليكِ أن تتسلقي وتسقطي مئات المرات حتى تثبتي فعلاً أنك أهلٌ لتطالبي بحقك في العرض والمنافسة عند الاستثمار، كرحلة المعصرة لعصر الزيتون!

حاول أن تتلذذ في السعي نحو هدفك وأن تستمتع بالمكافآت الصغيرة على أن لا تكتفي بها أو تشتتك عن وجهتك، تماماً كزجاجات الكازوز التي شربناها طوال تلك السنين وامتلأت باحات الدكان القديمة بأغطيتها..

عند حصولك على التمويل تأكد بأن يكون لديك خطة خروج في حال عدم قدرتك على إرجاع مال الاستثمار، كدفتر الدين في الدكان القديم عليك أن تحسب شهرياً ما لك وما عليك حتى لا تفاجأ بالإفلاس!

يمكنك دائماً أن تبني منتجاً، إمبراطورية، سمّها ما شئت..
لكن لتحظى بعبق يحمل أصالة لا تموت أبداً، بنكهة يتذوقها الجميع من مضيفي الطائرات وحراس البوابات إلى أشهر المسافرين كأندريا باتشيلي، الشغف والحب والتاريخ، اللمسة "الملكية" وحدها التي تثريك!

أتمنى أن تسمح لي "الملكيّة" بنقل قطرات الزيت هذه مغلفة بالحب عبر القارات..

أعتقد الآن أنني بحاجة إلى رغيف بالزعتر والزيت البلديّ الذي قضيت طفولتي في جمع حباته على ركبتيّ حبةً حبةً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.