المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان عبدالرحيم Headshot

الثمانية المحظوظون والأربعة مليارات على شفير الهاوية

تم النشر: تم التحديث:

أن يمتلك ثمانية أشخاص في العالم مجموعَ ما يمتلكه نصف البشر من الكرة الأرضية؛ النصف الفقير الجائع الذي لا يجد قوت يومه، ثمانية أشخاص يتفرعون في مجال الاستثمار البنكي، التكنولوجيا وبيع التجزئة تعادل ثرواتهم التي تقدر بنصف تريليون دولار، بما يملكه 3.6 مليار من البشر، عنوان صادم أليس كذلك؟

الصدمة في ذلك الرقم الخرافي، والنسبة بين ما يملك أقل من 1% من العالم مقارنة بما يملك 50% من البشر على حافة الفقر ببساطة تشير إلى الفجوة الهائلة التي تفصل الطبقة الغنية عن الطبقة المتوسطة، تلك الطبقة الكادحة التي تكاد تنعدم في كثير من مناطق العالم لأسباب اقتصادية كثيرة، منها تطبيق سياسات خاطئة يراد منها شد الحزام على الآخر، ومواجهة اقتصاد يقف ساكناً يميل نحو الانخفاض أكثر منه إلى الارتفاع في السنوات الأخيرة، وبعد أزمة مالية منهكة، تبعاتها ما زالت مستمرة.

المشكلة ليست في الأشخاص وحسابات بنكية بأصفار متعددة، لكن القوانين والنظم الاقتصادية المطبقة التي تجعل اليوم الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقراً، والهوة التي تتسع كل يوم؛ لتخلف وراءها شعوباً تعاني من نقصان في الخدمات الأساسية والاحتياجات اليومية، وتضييق الخناق عليها بشكل مستمر، بينما نسبة أخرى ضئيلة جداً متحكمة في رأس المال والأصول، ولديها ثروات هائلة تقدر بناتج محلي لدول معينة أو مجموعة من الدول، وهذا التفاوت ينعكس حتى على مستوى المعيشة للفرد من كل النواحي بما فيه التعليم، والرعاية الصحية، والحياة الاجتماعية، وحتى التفاوت الفكري.

نظم اقتصادية تقود إلى اتساع الهوة

الرأسمالية، وفي محاول لخلق اقتصاد حر مفتوح متاح للجميع للصعود والمنافسة، ما فعلته أنها خلقت فجوة كبيرة بين الطبقات، وتهميش الطبقة المتوسطة، جشع الإنسان استغل الفكرة النبيلة لتلك الحرية المتاحة، وأخلَّ بتوازن الطبقات الاقتصادية.
كان الهدف منه التقارب في دخل الطبقات، أصبح اليوم ينهش مكوناً طبقياً ليثري مكوناً طبقياً آخر لا يزيد عدد أفراده على أصابع اليد، وبتفاوت يزداد كل يوم.

والمشكلة الأكبر أنه بسبب هذا الخلل في النسيج الاقتصادي، فإن هذه الأصول المتجمدة في أيدي حفنة من الناس غالباً لا تستثمر في تدوير عجلة الاقتصاد في الأوقات الصعبة التي يكون أحوج ما يكون إليها السوق؛ لتخرج من وضع مستكين وبائس.

هذه الأموال المكدسة لا تستثمر في اقتصاد فعلي من صناعة وإنتاجية، لا يفتح بها مصانع، أو مشاريع صغيرة أو متوسطة، ولا تساهم في خلق وظائف وإيجاد حلول مالية، ولا يعول عليها لاستثمار حقيقي في مشاريع تنموية يكون الشعب بحاجة إليها، حتى وإن كانت بعوائد مرتفعة، وهذا ما يجعل الخروج من الأزمات الاقتصادية غاية في الصعوبة ويأخذ وقتاً طويلاً.

فالمسألة ليست فقط التفاوت في الثروة، ولكن حصرها في طبقة معينة وأشخاص معينين في حسابات مصرفية لا يستفاد منها؛ لتسهم في رجوع الاقتصاد إلى النمو والتعافي.

ولهذا فإن الاقتصاد العالمي إلى اليوم لا يزال ساكناً ويمر بما يسمى stagnation، وهي مرحلة تتميز بالجمود الاقتصادي، فكيف بالإمكان الخروج من الأزمة الاقتصادية ولا توجد حركة تدوير المال لخوف كبار المستثمرين وأصحاب الملايين من المخاطرة بأموالهم، وفي نفس الوقت تطبيق سياسة تقشفية تحد من الإنتاج والاستهلاك؟

ما لا تنتبه له الحكومات عند تطبيق خطط اقتصادية معينة لتقليص العجز في الميزانية ومحاولة تقليل المصروفات، أنها تلجأ إلى الأسلوب الذي يزيد الفجوة، ويؤدي إلى تفاقم الوضع، وهو اتباع السياسة التقشفية في وقت الركود؛ ببساطة ترفع الدعم عن السلع الأساسية التي غالباً ما تكون مستوردة، فيرتفع السعر على المواطن، ويأخذ نصيباً أكبر من راتبه مما كان عليه من قبل، يرفع الدعم عن خدمات الصحة، فيضطر المواطن إلى الإنفاق على الأساسيات كالصحة والتعليم، وترفع القيمة الضريبية كما ترفع سن التقاعد، هذا كله لا يؤثر بنسبة واحدة على جميع الطبقات ولا يولد ضغطاً إلا على الطبقة المتوسطة، وهذا ما يزيد الطين بلة!

الشعبوية المولودة على أنقاض العولمة

التفاوت الحاد في الدخل والخلل في مكونات الطبقات الاقتصادية خلَّف نسبة جماهيرية كبيرة كارهة للسياسات الحالية المتبعة من قِبل أنظمتها، ونافرة من كل ما جلبته العولمة من تجارة حرة ومنافسة قائمة.
لم يكن لهذه الطبقة المهمشة والمحطمة من جراء حمل اقتصادي ثقيل بديل سوى الالتفاف حول الساسة من الأحزاب اليمينية المتشددة الذين ينادون بالرجوع إلى الشعبوية، المرشحين ممن يسعون إلى إعادة اقتصاد قوي بتبنّي سياسة تسعى إلى إقفال باب العولمة وما يتبعها من فرص متكافئة متاحة للجميع من أبناء البلد وغيرهم من المقيمين والمهاجرين.

إن تنامي الشعبوية في أميركا وما ترتب عليه من انتخاب نسبة كبيرة من الشعب الأميركي للرئيس الحالي ترامب كان سببه بالدرجة الأولى تلك الظروف الاقتصادية الصعبة التي مر بها المواطن الأميركي على مدار السنوات الثماني الماضية، وصل ترامب إلى كرسي الرئاسة أملاً في قلب الموازين وإصلاح حال الطبقة المتوسطة.

نفس المشهد يتكرر في أوروبا اليوم، استياء الأوروبيين من سياسات التقشف وما تفرضه عليهم من استنزاف مادي وتبعاتها كنقص في الوظائف، وشح في الرعاية الصحية، والخدمات المرفقية، ورفع الضرائب، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتنامي حزب اليمين المتطرف في أوروبا وازدياد شعبيته ما هو إلا دليل على فشل هذه السياسة الحالية التي خلفت شعباً محتقناً يسعى جاهداً إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي وسد الأبواب، وهذه ليست إلا البداية.

وكما كان حال اليونان قبل ثلاث سنوات عندما عصفت بها أزمة ديون حكومية كادت تؤدي إلى إعلان إفلاسها، عندها فرض عليها الاتحاد الأوروبي اتباع سياسة التقشف كجزء من الاتفاقية لتلقيها مساعدات مالية كان لزاماً عليها أن تعمل على تقليص مبالغ الديون الحكومية والعجز الضخم في الميزانية.
هذه السياسة قوبلت بالرفض من قِبل الشعب اليوناني، الذي فضل آنذاك ولأول مرة انتخاب الحزب المتشدد ساريزا، الذي وعد بعدم تطبيق سياسات التقشف، حتى لو أدى ذلك إلى خروج اليونان من الاتحاد، الواضح أن هذا المشهد سيتكرر في بلدان أوروبية أخرى في الانتخابات القادمة.

وبسبب تفاقم المشكلة اليوم وتأثيرها السياسي في أوروبا، كانت المسألة موضع اهتمام كثير من الساسة والاقتصاديين في أوروبا، منهم كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، التي تكلمت في دافوس قبل يومين عن مشكلة التفاوت في الدخل، وكيف أثر على الخيارات الانتخابية للمواطن الأوروبي، وهو ما يؤدي في الفترة الأخيرة إلى صعود شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في الحملات الانتخابية، ومحاربة طبقة النخبة، وظهور الشعبوية على السطح السياسي مرة أخرى.

كيف يتم الحل؟

لا شك أن ترشيد الإنفاق هو أمر بديهي وحتمي في السنوات الصعبة، حتى لا تنخر المصروفات ميزانية الدول وتتركها خاوية، لكن هناك أولويات في الإنفاق والترشيد، وهذه الأولويات يجب أن تدور دائماً في مصلحة متوسطي الدخل، فعند تفعيل قوانين تقضي على الطبقة المنتجة والمستهلكة في آن واحد، فإننا نخلق مشكلة أكبر من التي نواجهها حالياً، تزيد من سوء الحالة الاقتصادية.

نحن بحاجة إلى تطبيق منظومة اقتصادية لا تتسبب في توسعة الهوة بين سائر الطبقات، منظومة متكاملة وليست كحل جزئي أو مؤقت لأغراض سياسية أو وعود انتخابية تتبخر بمجرد الفوز الانتخابي، حتى تساعد الطبقة المتوسطة في البقاء والازدهار ولا تطال حقوقها الأساسية.

توفير فرص وظيفية، وزيادة الإنتاجية والتصنيع، وتطبيق الضرائب بنسب متفاوتة وخلق توازن في النظام الضريبي؛ إذ إنها لا تكون عبئاً ثقيلاً على الطبقة المتوسطة، وفي نفس الوقت لا تسبب ضرراً على الشركات المستثمرة الأجنبية، وتيسير كمي وتمويل فرص للاستثمار والمساعدة على خلق روح المبادرة ورعاية المشاريع الناشئة، والاستثمار في القطاعات المرغوبة، وتهيئة الكوادر البشرية وما يواكبها من متطلبات لتطوير التعليم والتكنولوجيا، غير هذا فإننا ندور في حلقة مفرغة عندما نطالب بالتقشف وتقليص المشاريع التنموية وتطبيق القرارات التي تضر بالدرجة الأولى بالطبقة التي تضمحل شئياً فشئياً، ولا تساعد في التنمية أو الخروج من الأزمة.

يجب أن نتذكر أنه عندما تمر الأسر بالأزمات الاقتصادية المعيشية يحاول رب الأسرة جاهداً ألا يقتر على أطفاله، حتى لو اضطر إلى أن يحرم نفسه ولا يحرم الأطفال من الأساسيات، حقيقة يجب أن تعيها الحكومات والأنظمة، حين تجلس على رأس الطاولة لتحل مشكلات بلدانها الاقتصادية، فالكبير قد لا يتأثر كثيراً من الشح الحاصل، لكن الطفل الصغير يتأثر بكل نقص يحدث، وهذا الصغير يمثل تلك الطبقة المتوسطة التي تتأثر بأبسط القرارات التي يتم تطبيقها في وقت تحتاج فيه إلى كل الموارد المتاحة؛ كي لا تضمحل أو تزول.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.