المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان أنس Headshot

الرسالة التي لن تُقرأ!

تم النشر: تم التحديث:

لا أعرف ما هو عدد المرات التي كتبت فيها هذا الخطاب ثم مزقته، اكتب الكثير، ثم في كل مرة أكتشف أنني لم أكتبك حقاَ؛ فأحاول من جديد أن أكتب ما يليق بك، وفى النهاية أدركت أنني لن أستطيع فعل هذا ما حييت..

في مثل هذا اليوم منذ عامين؛ تغيرت حياتي 180 درجة، لم يعد شيء كمثل ما كان قبلها، في هذه اللحظة صارحتني الحياة أن لا سند لكِ من الآن فصاعداً إلا الله، عليك أن تكوني أقوى، وأن تتحملي العبء وحدك.. لم أعد تلك الطفلة المدللة، مجابة الأحلام، من الآن فصاعداً لن أجد من يؤمن بي كما فعلت أنت؛ ولكن الخيرة دائماً فيما يختاره الله، ربما أراد لي الله أن أستعين به هو فقط، ربما أراد لي أن يكون هو فقط -جل جلاله - وكيلي في الدنيا، كان الدرس قاسيا نوعاً ما، ولكن ما أجمل أن يُعلمك الله.

في السنوات الأخيرة سيطرت على فكرة رحيلك، كنت كثيراً ما أبكي بمفردي مخافة هذا اليوم، كنت أستيقظ في منتصف الليل، أدعو الله أن يُبقيك بجانبي، وأبكي، هذا ما تعلمته منك؛ كنت كثيرا ما أسمعك يا أبي تبكي في الليل وتدعو الله، ربما لم تترك لنا إرثاً ثمينا من المال، ولكنك تركت لنا ما هو أغلى من كنوز الدنيا؛ على يدك تعلمت حب الله ورسوله، تعلمت فعل الخير، علمتني معنى الاتكال والثقة والاطمئنان بوجود الله، تركت لي ما يُعينني على مصائب الدنيا، كنت في أي حادثة تصيبني؛ أتذكرك، لأجد من السكينة ما أنزله الله على قلبي، تركت لنا السيرة العطرة، وحب الناس. أتعلم يا أبي! بعد وفاتك كنت أكتب كثيراً جداً عنك، كل مواقفك، كل ما عملتني إياه، لا أخفيك سراً، كنت أكتب لعل أحدهم يقرأ، فيهديك الدعاء غيباً، وأصبت ما أردت، جاءتني رسائل من أشخاص كثر، لا تربطني بهم أي رابطة تذكر سوى أنهم شعروا حقاً بصدق ما كتبته عنك، رسائل تخبرني كم أنت عظيم، وأنهم يذكروك في دعائهم، لم تكن مفاجأة بالنسبة لي، كنت واثقة من أن الله سيسخر لك من يدعو لك غيباً، تماماً مثلما كنت أراك تفعل، كنت تدعو لكل الناس، من تعرف ومن لا تعرف، وها أنا أكتب عنك مرة أخرى لأهديك الدعاء غيباً.

الفطرة الإنسانية تقول: كل والد يرى ابنه الأفضل، وكل ولد يرى والده المثالي، هكذا خُلقنا، ولكني أؤمن أن أبي ليس مثله أب، لم أر في حياتي والداً يقبل يد والده، في الشارع وأمام الناس جميعا، لم أكن أفعلها أنا ليس كبراً، إنما خجلاً، كنت تعلمني أن لا ألجأ لأحد إلا الله، كنت دائما تقول: "أنا عمري ما خفت عليكم، لأني اتقيت ربنا فيكم"، أصبحت لا أخاف مثلك يا أبي، كنت تعلمني أنه ما نقص مال من صدقة، كنت تثق بي كثيرا، لبيت لي رغبتني في دخول كلية الألسن على الرغم من أنك لم ترد ذلك، كنت تقف بوجه أي من كان لتجعلني أحسم أي قرار يخص حياتي بمفردي، كنت تعلمني أن أرسم حياتي كما أريد، لا كما يريد الناس، كنت أنت الحب، والحلم، والأمل، والحياة..

سبحان مسخر الأقدار، سبحانه من يدير هذا الكون ببراعة يعجز عقلنا الضئيل جدا عن إدراكها، رأيت لطف الله وعنايته بنا حقاً في وفاتك يا أبي. يعمل أخي في السعودية، وأبي في القاهرة، وأنا أدرس في القاهرة، ويقطن باقي أفراد الأسرة في المنصورة، وعلى مدار العام لا نجتمع إلا أياماً معدودات، كان من المقرر أن تكون عطلة أخي السنوية هذا العام في شهر مايو، ولكن لظروف عمله تم تأجيلها إلى شهر أكتوبر، كنت أنا في مثل هذا التوقيت أقيم في القاهرة لأداء امتحان آخر عام دراسي لي، وكان التأجيل محببا إلى نفسي على الرغم من ضجر باقي الأسرة به. جاء شهر أكتوبر لنجتمع من جديد، أنهيت دراستي، حصل أخي على عطلته، وأبي أيضا قرر قضاء هذه الأيام الأربعين - وهى مدة العطلة السنوية لأخي - قرر قضاءها معنا. لكن القدر كان له رأي آخر، فلم يعطنا منها سوى سبعة أيام فقط!

لو بس كنت ساعتها عارف..
إن دي المرة الأخيرة....
مية مية كانت هتفرق فالوداع...

وللحديث بقية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.