المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان عبد المنعم Headshot

لماذا أحببتُ قطر؟

تم النشر: تم التحديث:

في صباح 5 يونيو/حزيران، قبل 50 عاماً، استيقظ المصريون على أنباء النكسة وهزيمتنا من إسرائيل، ولم تكن حينها هزيمة لمصر؛ بل للعرب جميعاً.

اليوم قررت كل مصر إحياء الذكرى وانضمت إليها المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين، ولكن ليس ضد العدو الأوحد للعرب أو هكذا كنا نعتقد؛ بل ضد دولة قطر الشقيقة.

وكما دقت قلوب المصريين قبل 50 عاماً دقت اليوم قلوب عدد كبير منهم بعدما أعلنت الدول الأربع مقاطعتها قطر وفرض حصار جوي وبري وسياسي عليها.

أعتقد أن غالبية المصريين الذين يعيشون في قطر، وخاصة الفتيات والسيدات، ممن خرجوا من مصر بعد انقلاب 2013، أصابهم اليوم شعور بالقهر والمرار أشبه بيوم 3 يوليو/تموز 2013 (يوم الانقلاب العسكري على الثورة المصرية) .

فهناك فئة -وأنا منهم- لا نتعامل مع قطر على أنها دولة خليجية نكتسب منها الرز وإلا ظللت بها أعبأ في أجولةٍ الرز.

بالعكس، أنا خرجت من مصر دون رغبة مني وبين تهديدات وتحذيرات وخوف وقهر ومرارة ورعب من مشاهد قتل المصريين وخوفى من مصير عربية الترحيلات أو الحبس وضياع ابنتي الوحيدة .

ذهبت لقطر وتركت قلبي وروحي في مصر .. لكنّ تعامل أهل البلد ومؤسساته معنا كان في منتهى الاحترام؛ عندما كانت تمرض ابنتي كنت أجد من يهتم بها من الأطباء والممرضات وأنا وحيدة دون أهل أو أصدقاء أو أخ أو أخت ولا زوج، فكانوا يبثون الطمأنينة إلى قلبي.

عند حصولي على رخصة قيادة السيارة، قمت بحادثة ضخمة تسببت في تدمير عدد من السيارات بأحد مواقف الدوحة، كان همُّ الضباط حالتي الصحية والنفسية وطمأنة ابنتي الصغيرة.

هناك مواقف لا تنتهي.. أتذكر الضابط الذي تحرك أمامنا قرابة 20 كيلو؛ ليوصلني إلى مكان ضللت طريقه ولم يترك لي مساحة لتوجيه كلمة شكر له.

ولن أنسى خط الطوارئ الذي فتح لي إشارات المرور حتى أنقذ ابنتي التي تنزف في يدي وكان المسعف وغرفة تحكم المرور معي على هاتفي وأنا المقيمة بالبلد ولست من أبنائه.

أتذكر عندما أصابتني ذبحة صدرية وسط الطريق، لم يأت الضابط لسبي وإعطائي مخالفة مرورية؛ بل للاطمئنان عليَّ وتوقيف الطريق في وقت الذروة حتى تصل سيارة الإسعاف؛ بل ويكلف من يهتم بسيارتي.

أتذكر المرات العديدة التي رأيت فيها الأمير والشيخة موزا بجواري في المولات التجارية والندوات الثقافية.

أتذكر صديقتي المصرية التي قُتلت ابنتها في "رابعة"، وشاءت الأقدار أن أتعرف عليها بالدوحة، وفِي الذكرى الأولى للمذبحة أُصيبت صديقتي بأزمة في القلب كادت تموت بسببها، ذهبت بها للمستشفى، لم يسألني أحد عن هويتها أو مبلغ مالي مقابل دخولها.

بل فوراً دخل على العناية المركزة عشرات الأطباء حولها.. أدوية لا تتوقف لمدة ساعة حتى تمكنوا من إنعاش القلب واعادتها للحياة.

وحتى الآن، تتلقى علاجاً مجانياً لحالتها، علماً بأن الصديقة لم تملك إقامة حينها.

أتذكر عندما رُفضت زيارة حماتي للدوحة ذهبت لمدير الجوازات وقلت له إني لا أستطيع نزول مصر، لم يستمع لباقي كلامي ووقَّع على ورق الموافقة فوراً.

بعيداً عن المواقف السياسية لقطر، والتي نختلف أو نتفق معها، لكنها لم تعامل المواطنين بناء على المواقف السياسية وإلا كانت قبل سنوات قامت بطرد آلاف المصريين وإرجاعهم إلى بلادهم، بلا وجع قلب ودماغ.

قطر تفتح بابها أمام البضائع المصرية؛ فالمعارض التجارية لا تتوقف، والمنتجات الزراعية المصرية تشعرك بأنك في قلب القاهرة.

قبل أيام، أضاع صديق لي جواز سفره في إحدى الدول الأوروبية وعاد إلى قطر وتم إيقافه بالمطار عدة أيام حتى حلت الأزمة، وكان من الأولى بها ترحيله فوراً إلى مصر وحتى وإن كان السجن ينتظره.

أتذكر قطر التي تفتح أبوابها في وجه من يلجأ إليها.. ها هي قبل قرابة العام جمعت قرابة الـ17 مليون ريال لأهل حلب، بينما الدول التي أعلنت مقاطعتها اليوم كانت تكتفي بالبيانات السياسية.

أتذكر قطر ودعمها لتونس بعشرات الملايين حتى تنطلق مسيرة الإصلاح.

أتذكر قطر التي ذهبت لغزة وافتتحت بها عشرات المشروعات ونحن أهل مصر نُحكم على أشقائنا الحصار.

أتذكر قطر عندما أغلقت "الجزيرة مباشر مصر" استجابةً لضغوط دول الخليج، لم تفصل العاملين بها وأعطتهم فرصة لمدة عام براتب كامل حتى يدبروا أمورهم.

كنت أشعر بروح مصر هناك، وعندما أزور قطر الآن أشعر بأنني زرت مصر.. أنا فعلاً أحب تلك البقعة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.