المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Emad Shahin Headshot

متحزبون بلا أحزاب

تم النشر: تم التحديث:

من المغري وصف الانتخابات التشريعية في مصر، التي بدأت في منتصف أكتوبر/تشرين الأول ومن المقدر لها أن تستمر حتى الثاني من ديسمبر/كانون الأول، بعبارة "التاريخ يعيد نفسه". عندما تكون الأحزاب المتصدرة لعام 2015 يقودها عسكري سابق وضابط قيادي في جهاز المخابرات، وعندما تقاطع أغلب القوى المعارضة الانتخابات، فإن الحالة السياسية تعيد إلى الأذهان ماضي مصر السلطوي. يقول البعض إن مصر تعود بنجاح إلى المباركية، ولكن بلا حسني مبارك هذه المرة. غير أن مصر اليوم ليست مصر مبارك، إنها مصر في حالة تحول من حكم الحزب الواحد الى نظام حكم جديد ما زالت ملامحه المقلقة تتشكل.
في مصر اليوم، لا يوجد وسيط شبيه بالحزب الوطني الديمقراطي المنحل، ذلك الحزب الذي استولى على المجالس البرلمانية، وسخر المشرعين لخدمة نظام مبارك. صحيح أن الحزب الوطني افتقر للتماسك الأيديولوجي المطلوب، لكنه كان أداة مفيدة للنظام، من أجل الربط بين مراكز القوة المختلفة، مثل كبار الفلاحين وقوات الشرطة، وصفوة رجال الأعمال المنتفعين من الخصخصة. كان الحزب الوطني هو الآلية التي تعلن من خلالها كل قاعدة من هؤلاء ولاءها للنظام الحاكم، في مقابل النفوذ، القوة والحماية.
ما يؤسسه الرئيس عبد الفتاح السيسي هو نظام جديد يتحول بالبلاد من نظام الأحادية الحزبية، حتى وان كان ما يبنيه هو هيكل نظامي مساو في السلطوية، او متفوقا فيها على سابقه. إن أرضية مصر الحزبية ضعيفة للغاية، حيث يوجد أكثر من مائة حزب مسجلين رسميا، لكن القليل جدا منها يحظى بالاهتمام والمصداقية، وبرغم نفس الديناميكية الحزبية، فإن برلمان مصر سيتكون من سياسيين منتمين للأحزاب، وثلة من المستقلين الذين لم يحققوا التوقعات الانتخابية لكن ما زالوا ينتفعون من القانون الذي يخصص لهم ثلث المقاعد. إن تفتيت السياسة المصرية سيترك المشرعين هائمين بحثا عن النظام في وسط فوضى الجسد المكسور والنظام التنفيذي الأضعف في تاريخ مصر الحديثة.
إن الانتخابات الأخيرة لها تشابهاتها واختلافاتها مع لعبة السياسة القديمة. ففي عهد مبارك، تضخم ظل الحزب الوطني، لكنه ظل عاجزا عن الإحاطة. كانت هناك أحزاب معارضة محظورة وبرلمانيين مستقلين بلا انتماء حزبي، يشاركون في الانتخابات كمستقلين لكن ينضمون للحزب فور انعقاد البرلمان. في الواقع، معظم المرشحين المستقلين كانوا أعضاء في الحزب الوطني ترشحوا ضد المرشحين الذين اختارهم الحزب، بهدف استعادة نفوذهم بعد أن تم إهمالهم أثناء توزيع الغنيمة التشريعية.
المستقلون يمثلون من جديد لاعبين مهمين، وأغلبهم يمثل واجهة لأحزاب سياسية. لكن هذه المرة ليس هناك حزب حاكم ليدور المستقلون في فلكه، كما أن القانون يمنع الإنضمام إلى الأحزاب بعد انتهاء الانتخابات. صحيح أن أغلب المستقلين يدعمون السيسي، ومن المتوقع انضوائهم تحت لواء تحالفه، "في حب مصر"، المجموعة التي لها اتصالات قوية مع السيسي، والتي اكتسحت قوائم الانتخابات الأولية في الصعيد وغرب الدلتا، لكن حتى بعدها لن يكون ترسيخ ولاء المستقلين للسيسي بالأمر السهل. إن هذه التحالفات أضعف من العضوية الحزبية الرسمية، عندما يتعلق الأمر بالتصويت الجماعي، ومن دون آلية حزبية سيكون من الصعب فرض الالتزام، وتقسيم الغنائم تبعا للولاء التصويتي.
فرق جوهري آخر بين النظام الجديد والمباركية، هو عدم الثقة في حماية النظام لمواليه، حيث ما زال السيسي يسعى لإيجاد موقعه المتوازن في السياسة المصرية. قد يكون البرلمانيين عرضة للاقتتال الداخلي. فمن الواضح أن قوة النظام الحالي الحقيقية تكمن في أجهزة الشرطة، المخابرات، الأمن الوطني وقطاع من الجهاز القضائي ارتضى لعب دور في محاباة السيسي. لكن موقع رجال الأعمال، كبار الإعلاميين وقيادات الحزب الوطني المنخل ما زال غير واضح في خطة النظام الحالي. لكل من هؤلاء مرشحيه وقوائمه في الانتخابات، وسيسعى لاستخدام البرلمان كساحة لتأمين موقفه في النظام الجديد.
مثال على التطور السريع للخريطة السياسية في مصر هو الأداء المذهل لحزب مستقبل وطن في الانتخابات، الذي يترأسه قيادة طلابية تبلغ من العمر 24 عاما. يامل الحزب في تجميع الشباب الذين ساهموا في الاطاحة بمرسي عام 2013 في الثورة التصحيحية.
اعترف الحزب بانه مدعوم من قطبين كبيرين في صناعة الحديد، بالاضافة الى مالك شركة لبيع الأطعمة السريعة. على النقيض من ثورة 2011 التي تم التلاعب بها سريعا، حاز الحزب على ثالث أكبر عدد من المقاعد، واظهر اداء جيدا في الانتخابات الفردية، مرسخا نفسه كحزب قيادي في قائمة التحالف الحزبي. على الرغم من أن الحزب يتكون من مؤيدي السيسي، فان النظام سيواجه مهمة دمج هؤلاء في النظام بدون اثارة شكوك قطاعات اكثر قوة ورسوخا.
اختلاف اخر، هو ان مبارك كان يعتمد على نسب التصويت العالية لاثبات شرعية الانتخابات ونزاهتها، بينما نظام السيسي، ساخرا بقسوة من الربيع العربي، يعتمد على النسب المنخفضة. كثيرا ما استخدم نظام مبارك نسب التصويت العالية لاثبات النزاهة، في الانتخابات التشريعية الاربعة في الثمانينيات والتسعينيات، بنسبة 40 - 50 بالمائة.
لاحظ المراقبون المتشككون ان النسبة اقل من ذلك بكثير، وان اغلبها من العاملين المدنيين الذين يتم شحنهم في حافلات إلى مقار التصويت يومها. لكن الارقام، حتى وان كانت كاذبة، فهي مهمة.
لكن المعادلة انقلبت الآن رأسا على عقب. اليوم في مصر، يدعي النظام ان السيسي هو الوحيد الذي يحظى بدعم شعبي، تغذي وسائل الاعلام صورة السيسي على انه المخلص الوحيد في وقت كانت تتآمر فيه القوى الداخلية والخارجية لتقسيم البلاد. من دون حزب حاكم يمثل امتدادا لحكمه، وآلية لحشد الدعم الشعبي، فإن السيسي ليس في حاجة إلى برلمان لشرعنة حكمه. وقد ظهر عدم اكتراث المصريين جليا في نسب المشاركة في الجولة الأولى، 27 % فقط من الكتلة التصويتية البالغة 50 مليونا.
حتى صحيفة الأهرام شبه الرسمية ركزت على تجاهل المصريين في تغطيتها للانتخابات، الذي لوحظ بالذات في صفوف الشباب، وسجلت سعر الصوت الانتخابي بحوالي 200 الى 800 جنيه مصري، باختلاف الاحياء. لم تكن هذه الاخبار صدامية أو تساؤلية على الإطلاق، وإنما ببساطة تعبير عن اتجاه النظام لإفراد السيسي بالشرعية الانتخابية.
على الرغم من ان قائمة في حب مصر اكتسحت مقاعد الأحزاب، فإن الوضع يبشر ببرلمان منقسم للغاية. يرجع هذا إلى أن مقاعد القوائم الانتخابية تمثل أقل من ربع البرلمان. ومن ضمن 226 مقعدا محجوزين للأفراد، فقط حسم مقعد من كل أربعة مقاعد. والباقون ستجرى عليهم الاعادة بين المرشحين الحائزين على اعلى نسب تصويتية، الذين سيضعف موقفهم أكثر لفوزهم بانتخابات تتسم باللامبالاة، ثم بالاعادة.
"في حب مصر" تتخذ شكلا اقرب ما يكون إلى حزب حاكم، لكنها ما زالت تحالفا من قوى متفرقة. من ضمنها حزب الوفد التاريخي المفكك، حزب المصريين الاحرار، حزب مستقبل وطن، ورموز من القطاعات الأمنية، والنظام السابق. خلال الحملة، جمع التحالف قائمة من 18 مبدءا حاكما، لكنها كانت مبتذلة، مثل التزام التحالف بحماية النسيح الوطني. ليس من الواضح ما اذا كان التحالف سيعيد نموذج الحزب الوطني مع الوقت. لكنه اليوم ليس الحزب الوطني، حتى وان احتوى قيادات من الحزب.
السياسة داخل البرلمان قد تصبح قبيحة بسرعة. سياسات الضرب تحت الحزام كلفت محلب رئيس الوزراء منصبه وهو ما يرجح تكراراه بينما تتقاتل مراكز القوة على اي مساحة نفوذ يسمح بها النظام. هناك معارك ستخاض على قضايا محورية، مثل من سيكتب القوانين البرلمانية، واية جماعات ستحظى بمقاعد لجان البرلمان. ربما تكون هناك معارك اكبر حول مشاكل تتراوح بين مراجعة القوانين التي يسنها الجهاز التنفيذي، وتشكيل الحكومة ومراجعات الدستور المحتملة.
عائق آخر أمام برلمان مصر الجديد سيكون اختفاء فزاعة الإسلاميين التي وحدت النخب الشعبية والسياسية حول السيسي. فالحزب الإسلامي الوحيد الذي أدلى بمرشحين في الانتخابات خسر في جولتها الأولى تماما. فشل حزب النور، بعد ان كان مستحوذا على ربع المقاعد في 2013، في الفوز بأية مقاعد في الجولة الأولى، وينافس على 23 مقعدا في الإعادة. الآن هناك جدال دائر حول ما إذا كان من المجدي للحزب الاستمرار في حملته الدعائية في الإعادة، التي تبشر بنتائج أسوأ من الجولة الأولى. الآن يجتمع التحالف على مبدأ أساسي هو معارضة الإسلاميين، وإقصاء النور يهدد بتفريق التحالف عندما يبدأ الصراع على منافع السلطة.
حتى معارضي النظام الحالي يعرفون أفضل من المغامرة بانهيار شامل للنظام السياسي، فالمصريون منهكون بعد أربعة أعوام من الإضطراب، لكن هناك الكثير من العمل لإنجازه. الإقتصاد يتنفس بالكاد بفضل الإمدادات الخليجية، لكن مصر لم تقترب حتى من أي تعاف اقتصادي، أو دمج حقيقي للشباب العاطل في سوق العمل. الدولة تحارب تمرداً حقيقياً في سيناء لن يزداد إلا حجما عندما يعود المجاهدون من الخارج. وليس هناك أي برنامج واقعي لحل هذه المشاكل وشبيهاتها.
ربما يكون من المغري للعالم أن يرفض السلطوية المصرية، لكن ما زال هناك احتمال ضئيل للإصلاح في الوقت الحالي. حاول البعض إقناع الإدارة الأميركية بقطع المعونات عن مصر، لإيصال الشعور بعدم الرضا عن الخلل السياسي القائم. نحن لا نرى أن هذه الطريقة عملية، ويجب أن تكون أهدافنا أكثر تواضعا، موجهة نحو تشجيع النظام على إعطاء متنفس للمساحة السياسية المشرفة على الموات. سيشكك الناقدون في احتمالية أن يستمع النظام سيء السمعة في الأوساط الغربية لهذه الجرعة الصعبة من المحبة، لكن النظام سيحتاج عند نقطة ما إلى الاعتراف بقيمة السياسة وقدرتها على تقوية الدولة المصرية

مصر اليوم تفتقر حتى إلى المظاهر الزائفة للسياسة. الناخبون يتعالون على الانتخابات، الأحزاب السياسة فقدت شعبيتها والمعارضون محصورون
في زاويةٍ لا جدوى منها. كل هذه العوامل لا تشكل أساساً ممكناً للعلاقات بين الدولة والمجتمع، حتى الطغاة من أمثال مبارك فهموا هذه الحقيقة. لقد قام السيسي بتصفية كل من تحدى حكمه، وبعد أن أنجز هذا العمل الفذ، قد يكون مستعداً لتخفيف بعض القيود التي فرضتها الدولة. إنها شهادةٌ تُظهر التدهور الذي شهده الوضع المصري، ويبقى الأمل أنها قد تكون القاع الذي وصلت إليه الديمقراطية المصرية.

المصدر الأصلي

هذا المقال مشترك مع جيف مارتيني.​

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.