المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عماد سرحان Headshot

التعلم الإلكتروني... فرصة للنجاة

تم النشر: تم التحديث:

مدارس الأونروا كانت مهددة بالإغلاق، الاف الطلبة اللاجئين السورين في المنطقة لا يمكنهم الحصول على التعليم الأساسي بسبب الحرب، عشرات المناطق النائية أو الأقل حظا لا يحصل فيها الطلاب على أي تعليم، تضخم عدد الطلاب في المدارس العربية بنسب تفوق كثيرا قدرة تلك المدارس على خدمتهم. عزوف طلاب العصر الرقمي عن المدارس والتعليم، كل هذه أسباب تجعلنا نفكر بواقع التعليم لدينا وبحاجتنا لأسلوب أخر للعملية التعليمية مختلف عما تعودنا عليه خلال العقود الماضية، وإلا فنحن أمام مشكلة كبيرة فالتعليم هو الوسيلة الأساسية التي يحصل من خلالها الفرد على المهارات الازمة لتأدية وظيفته في المجتمع وبدونه يفقد المجتمع قوته.

فلا يكون التعليم الإلكتروني حلا جذريا لكل ذلك؟
أفلا يمكننا من خلال تقنيات التعلم الحديثة أن ننقل المعلم المتميز لعدد كبير من الطلاب بل وأن نحتفظ بخبرة المعلم أبد الدهر حتى بعد وقاته؟
أفلا يمكن عبر التعليم الإلكتروني أن أضمن حصول الجميع على مستوى متقارب من التعليم ذو الجودة العالية أيا كان مستواهم المادي أو مكان تواجدهم؟

يعتقد الكثير من المتخصصين أن التعلم الإلكتروني eLearning قد يكون هو الحل الأمثل لتطوير التعليم في المنطقة العربية فقد أشارت عدد كبير من الدراسات والأبحاث وأوراق العمل الى أهميته وضرورته. وهذا ليس غريبا فنتيجة للتطور التكنلوجي والتقدم المذهل والمتسارع في تقنيات الكمبيوتر والإنترنت أصبحت أدوات التعليم الإلكتروني عنصرا أساسيا في منظومة التعليم في العالم كله نظرا لأن التعليم الإلكتروني يتجاوز حدود الزمان والمكان ويوفر مزايا تعليمية تفاعلية بالصوت والصورة ليست متوفرة في الأساليب التقليدية في التعليم مما قد يساعد على تجاوز الكثير من مشاكلنا التعليمية في المنطقة العربية فيما لو تم استغلالها بشكل فعال وملائم للمنطقة.

أكن في الوقت الذي يمكن لهذا النوع من التعليم أن يحل مشاكل كثيرة وينهض بأمة ويصنع مجتمع معرفة يحلم به الكثيرون، تتجاهله الكثير من الدول العربية بل ولا تعترف به ولا تلقي له اهتماما. إن قمة التناقض أن أعتبر الطالب قد تلقى تعليما أكاديميا لمجرد أنه درس بشكل تقليدي ووجها لوجه حتى لو كان ذلك في مدرسة سيئة أو جامعة متواضعة أو عند مدرس ليس على المستوى المطلوب، بينما أنكر على طالب أخر أنه تلقى تعليما لمجرد أنه "تعليم عن بعد" حتى لو تم ذلك في جامعة متميزة أو عند استاذ متمكن.

نحن بحاجة لأن نعيد التفكير بالمنظومة التعليمية التي سيطرت علينا خلال العقود الماضية لأنها ببساطة لم تعد مناسبة لجيل اليوم ولا للظروف التي نعيشها ولأن لدينا من الأدوات ما يمكننا من أن نكون أفضل. نعم، نحن أمام حقيقة يجب أن نواجهها بقوة، فالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الخلوية هي أحد أهم مصادر المعرفة اليوم وعدم استغلالها في التعليم يعني أننا نضيع فرصة كبيرة لتطوير التعليم للأجيال القادمة. لقد غيرت التقنية والتطور السريع في الإنترنت وشبكات التواصل وانتشار الأجهزة المتنقلة من جيل اليوم بشكل جذري. فجيل اليوم هم مواطنون رقميون يعتمدون على الإنترنت في حياتهم اليومية ويتعاملون يوميا مع كم كبير من المعلومات المتدفقة من مصادر مختلفة وبأشكال متنوعة. "جيل النت" Net Generation قادر على التعامل مع أكثر من مهمة في ذات الوقت وسريع الملل وأكثر تفاعلا مع الأخرين ويعتمد على نفسه ويفضل السرعة في أداء الأعمال المتعددة، وهو بحاجة الى تعليم رقمي مختلف عما تعودت عليه الأجيال السابقة.

ولكننا هنا لا نتحدث عن التعليم الإلكتروني الذي يحاكي التعليم التقليدي فقط. فلقد أصبحت أغلب رامج التعلم الإلكتروني المنتشرة اليوم برامج تقليدية تحاول أن تحاكي التعليم التقليدي لتثبت أنها تضاهيه، فاعتمدت على نقل المعلومات من المعلم للطالب عبر بث المحاضرات إلكترونيا وأهتمت بتوفير أفضل الأدوات التقنية دون الاعتبار لخصوصية كل متعلم كما اهملت استخدام وسائل التواصل الحديثة وأدوات التراسل المباشر في العملية التعليمية وتجاهلت أن المعرفة اليوم هي ديناميكية ومتغيرة وأن الخبرة هي ما يحتاجه المتعلمون، فالمعلومات التي يلقنها المعلم للمتعلمين ويطلب منهم أن يعيدوا تكرارها، هي في الاساس متوفرة وبغزارة على شبكة الإنترنت بل وتتغير باستمرار. وبالتالي فلم يعد المعلم هو مصدر المعلومات الوحيد للمتعلم كما كان الحال سابقا، كما لم تعد المحاضرات التقليدية عامل جذب للمتعلم في عصر تقنيات التواصل الاجتماعي التي نعيش فيها فهي لا يمكن أن تنافس مقاطع اليوتيوب أو تغريدات تويتر

بل نتحدث عن عملية تعليمية إلكترونية متكاملة تستغل كل ما هو متوفر من تقنيات لجعل التعلم أكثر إمتاعا وخصوصية وفائدة. نتحدث عن معلم خبير ينقل خبرته عبر التقنيات الى عدد أكبر من المتعلمين في مناطق جغرافية مختلفة وليس عن المعلم الملقن لطلابه. نتحدث عن بيئة دراسية مفتوحة مرنة تتيح للمتعلمين الاختيار والبحث والنقاش والحوار والممارسة الفعلية لما يتعلمون، بيئة غير محصورة بفصل دراسي أو كتاب مدرسي أو حتى نظام تقني. تعليم يهتم بنقل المهارة للمتعلمين اعتمادا على اكتسابهم المعرفة الحقيقية عبر المشاركة والتفاعل ويستخدم الإنترنت كمنصة أساسية لتلقي العلم.
لماذا نحصر التعليم في صفوف دراسية أو أنظمة تقنية أو مناهج ساكنة ولدينا كل تلك المعرفة حولنا؟ الإنترنت اليوم هي النظام المعرفي الذي يستخدمه كل البشر والتعلم ضمن هذه المنظومة قد يقود إلى تعليم مختلف فيما لو تم استخدامها بالشكل الصحيح.

دعونا لا نحكم على التعليم عبر صرامته بل عبر المتعلم ذاته وعلى المهارة التي اكتسبها والخبرة التي حصل عليها. لنترك له حرية الاختيار وتحديد الطريقة والأسلوب الذي يناسبه ليتعلم شرط أن يكون لتعلمه هدف واضح يعيه ويكون يقظا له طوال مسيرته التعليمية. وأن ترتبط المقررات الدراسية التي يتعلمها بذلك الهدف وبواقع الحياة وبما سيكون عليه المتعلم بعد انتهائه من العملية التعليمية، فهذا هو من سيوفر الدافعية للمتعلم ليتعلم ذاتيا حتى يستمر في التعلم لينجح في تحقيق هدفه والحصول على المهارة المطلوبة.

نحن بحاجة لأن نعيد التفكير بالتعليم الإلكتروني كفرصة لنجاة منطقتنا العربية من معالم الجهل والتطرف والفساد التي تحيط به من كل جانب. بحاجة لأن نوجه ميزانيات التعليم في المنطقة العربية الى الاتجاه الصحيح نحو تعليم المستقبل. بحاجة لأن تصل المعرفة الحقيقية لمن يحتاجها في أي مكان وزمان وبطريقة جاذبة لأجيالنا القادمة تمكننا من الحفاظ عليهم والاستفادة منهم في بناء الأوطان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.