المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجي سلطاني Headshot

"حريم السلطان" و"قيامة أرطغرل" و"عبد الحميد الثاني ".. متعة التاريخ وسحر الدراما

تم النشر: تم التحديث:

لقراءة التاريخ متعة أخّاذة، فما بالكم إذا مُزجت هذه المتعة بسحر الدراما! التاريخ كفرع من فروع العلم والمعرفة هو من أمتع هذه الفروع وأجذبها، فقد جُبلت النفس البشرية على حب الحكي والقص.

وفي رأيي أن أروع الحكي والقص هو ما كان لتاريخ حدث حقيقة؛ حيث إن الترقب لمتابعة الأحداث الحقيقية والاندهاش بها أكبر من الاندهاش بالأحداث المؤلّفة والترقب لها.

فإن الحكايات المؤلّفة يذهب بها المؤلّف يمنة ويسرة حيثما يرى ويحب، فيمعن في حبك قصته كما يريد، أما الحكايات التاريخية فإن حبكتها حبكة واقعية لم يلعب الخيال بها ولا التأليف فيها.

وللدراما سحرها الذي لا يستطيع أحد أن ينكره، وبرغم أن الدراما لا تتبوأ الدرجات العليا في سلم الفنون عند أهل الفنون منذ القدم، فإنها في عصرنا الراهن قد أخذت بعقول الناس وألبابهم، حتى شغلتهم عن أعظم الفنون وأرقاها (الشعر والرسم والموسيقى)، وأصبحت من حيث الشعبية والمتابعة والاهتمام في درجة الفن الأول عند جمهور الناس بعوامهم وخواصهم.

وقد كان حسن البنا كإمام من أئمة الإسلاميين سبّاقاً في الالتفات إلى سحر الدراما وطغيانها على عالم اليوم، فبادر بإنشاء الفرق المسرحية التي حاولت أن تقدم عروضاً هادفة لا تخلط فكرتها بإسفاف أو عريّ.

ثم جاء إمام الوسطية الدكتور القرضاوي؛ ليسير على درب أستاذه البنا في ذلك، فيدعو الإسلاميين إلى الاهتمام أكثر بهذا المجال الطاغي؛ بل ويعطي فتاوى شرعية تجيز تشخيص الصحابة في أعمال درامية تاريخية، فتبادر شركات إنتاج بإنتاج المسلسلين الكبيرين (الحسن والحسين) و(عمر)، بموافقة ومباركة من الشيخ القرضاوي ولفيف كبير من علماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وبمراجعة تاريخية من كبار علماء التاريخ والسّير.

وقد كانا مسلسلَين رائعين، جعلا الكثيرين ممن كانوا يرفضون تشخيص الصحابة يقولون من بعدهما (وما الضير؟!، لقد قدم المسلسلان صورة للصحابة وتاريخهم تعجز مئات الكتب عن تقديمها، وخصوصاً للعامة والبسطاء).

منذ سنين ونحن في زمن الدراما التركية، تلك التي ملأت البيوت وشغلت الناس، وغطت على الدراما المصرية والعربية كلها.

وكانت موضوعات الدراما التركية موضوعات اجتماعية، قصص حب وخيانة تتكرر بتفاصيل مختلفة وممثلين ومخرجين مختلفين.
ومن قبل ذلك كانت الدراما التركية هي عنوان الدراما الإباحية في الشرق الأوسط كله.

ثم جاء حزب العدالة والتنمية على رأس السلطة التركية، فتغير وجه تركيا إلى حد كبير في أشياء كثيرة، الاقتصاد والتعليم، حتى بدأت تظهر بوادر تغيير في وجه الدراما التركية، أو مزاحمة للوجه المعتاد من وجه آخر، هو الوجه الإسلامي لهذه الدراما، الذي يحاول أن يبعث نبض التاريخ التركي الإسلامي في قلوبٍ إسلامية حاولت العلمانية المتطرفة هناك قتلها.

بادرت العلمانية هناك بإنتاج مسلسل ضخم عن السلطان الأسطوري (سليمان القانوني)، السلطان الأقوى والأعظم في تاريخ السلطنة العثمانية، وكما يقول الكثيرون، فقد حاولت العلمانية في هذا العمل ممثلة في الكاتب والمخرج والممثلين في تشويه الصورة وإبعاد الروح الإسلامية عن العمل وإبراز الخطايا ما أمكنهم.

ولقد شاهدت المسلسل بأجزائه، وعلى غير ما يرى الأكثرون، لا أرى أن هذا المسلسل قد شوه صورة التاريخ التركي العثماني الإسلامي إلا في نقاط محدودة على هامش الصورة الكلية، فقد أظهر المسلسل السلطان القانوني سلطاناً قوياً عظيماً يرهبه العالم كله، إلى جانب عدله وأخذه كل ظالم من عماله بيد التأديب والعقاب، وكذلك روح إسلامية ظاهرة فيه وإن كانت بغير قوة.

وكان أكبر عيوب المسلسل أنه اهتم بصراع النساء في قصور السلطنة اهتماماً بالغاً، وقدم بعض الوزراء في صورة مشوهة، حيث الخمر والعاهرات.

في ظني -وبغير تفصيل يطول- أن الصورة الكلية للمسلسل مقبولة جداً، تفيد الصورة التاريخية التركية العثمانية الإسلامية أكثر بكثير مما تضرها.

ثم جاءت ما يمكن أن نسميها باكورة الإنتاجات الدرامية الإسلامية في تركيا، وعندما نقول الإسلامية فنحن نعني بذلك تلك الأعمال الدرامية التي يقوم عليها أصحاب التوجه الإسلامي إنتاجاً وكتابةً في الأساس، وربما تشخيصاً وتمثيلاً في بعض الأحيان.

جاء مسلسل "قيامة أرطغرل"، الذي ملأ الآفاق ذكره والحديث عنه، وكُتبت في الإشادة والانبهار به عشرات المقالات.
حتى كتابة هذا المقال لم أشاهد من المسلسل إلا حلقاته العشرين الأولى تقريباً؛ لكني أستطيع أن أقول إنه مسلسل عملاق، وإنه يمثل الصورة المثلى للدراما التي تحيي الأمة، وتذكرها بماضيها العظيم، وتربط بين تاريخ هذه الأمة وبين روحها الإسلامية العظيمة باعثة نهضتها ومصدر قوتها وسلاحها الذي يعجز أعداؤها عن كسره أو ثلْمِه.

ثم أتانا البشير بإنتاج مسلسل عن السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الدولة العثمانية حقيقة.
ويقوم على كتابة هذا المسلسل وإنتاجه ذات الجهة التي قامت على مسلسل قيامة أرطغرل، الجهة التي تمثل إسلاميي تركيا، في مواجهة علمانييها ومتغربيها.

مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني سيكون مسلسلاً مهماً، فهو يسرد تاريخ الضعف والانهيار والهزيمة لهذه السلطنة العثمانية العظيمة؛ بل ويسرد لنهاية الخلافة الإسلامية من على الأرض كلها، وظهور القوى الغربية في أوج قوتها وطغيانها، وظهور السرطان الإسرائيلي الذي لا يزال يأكل في الجسد العربي والإسلامي.

ستبدأ قنوات التلفزة التركية في بث هذا المسلسل قريبا، وننتظر نحن العرب أن تقدم القنوات العربية على شرائه ودبلجته كما فعلت مع مسلسلي (حريم السلطان)، و(قيامة أرطغرل)، وكلنا شوق وترقب بذلك.

وننتظر على الجانب المقابل أن تُقدم جهات الإنتاج العربية ذات التوجه الإسلامي التي أنتجت من قبل مسلسلَي (الحسن والحسين) و(عمر) على إنتاجات مشابهة، وأن تلهبها الغيرة من فورة الإنتاج التاريخي التركي ذي التوجه الإسلامي، فإذا كان في تاريخ الأتراك الإسلامي ما يستحق الإنتاج له، ففي تاريخنا العربي الإسلامي أضعاف أضعافه، فالعرب هم أرض الإسلام، وناشروه، وإليهم أولاً تتوجه الأنظار لعودته بقوته وحضارته ومشروعه الإنساني العظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.