المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

حادثة الهجرة.. فرق ما بين الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة

تم النشر: تم التحديث:

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك الحادثة الأعظم في تاريخ الإسلام من بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن البعثة تمثل في التاريخ الإسلامي بداية الدعوة، والهجرة تمثل بداية انتشار الدعوة وبناء الدولة.

في حادثة الهجرة الكثير من المواقف المعلّمة، نتناولها بالبحث والدراسة كل عام، عندما تأتي ذكراها العطرة.
وقد درج الناس على تذكر هذه الحادثة العظيمة في بداية العام الهجري في أول شهر المحرم منه، إلا أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بدأت في السابع والعشرين من شهر صفر من العام الأول للهجرة، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم في نهايتها إلى المدينة في الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من العام نفسه.

ونحن هنا سننظر إلى الهجرة من زاوية مختلفة، نلقي من خلالها الضوء على بعض المواقف المتعلقة بالمشركين أنفسهم في هذه الحادثة، لتتبين لنا الفروق بين تلك الجاهلية الأولى وهذه الجاهلية المعاصرة في مثل هذه المواقف والممارسات.

وعندما نستخدم مصطلح "الجاهلية المعاصرة"، فنحن نقصد تلك الجاهلية التي نعيشها الآن، والتي تماثل الجاهلية الأولى في كثير من التصورات والرؤى، هذا وإن خالفتها في أصل العقيدة، فالجاهلية الأولى كانت جاهلية مشركة، وجاهليتنا المعاصرة جاهلية مسلمة، غير أن إسلامها لا يتعدى الاسم، أو على الأكثر لا يتعدى الأشكال التعبدية التقليدية، والتي ما جاء الإسلام لأجلها قط، وإنما جاء لما هو أعظم منها، وهو أن تكون حياة الإنسان كلها لله سبحانه وتعالى، وما العبادات في هذا السياق إلا معينات روحية على الوظيفة الأهم والغاية الأكبر.

وقد كان الشهيد سيد قطب أول من استخدم هذا الاصطلاح "الجاهلية المعاصرة" للتعبير عن واقع الأمة البعيد عن روح الإسلام ونهجه، والقريب من روح الجاهلية الأولى ونهجها.

وبعد، فسنورد هنا أهم ما في حادثة الهجرة من أحداث تبين هذا الفارق بين الجاهليتين، والذي هو لصالح الأولى على المعاصرة.

أولاً: حرمة البيوت بين الجاهليتين
تخبرنا المرويات عن حادثة الهجرة، أنه لما أراد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لينتهوا منه ومن دعوته، اختاروا لذلك من كل قبيلة فتى جلداً، وأعطوا كل واحد منهم سيفاً صلداً، ثم خرجوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً، فلماً أن جاءوه أبوا أن يقتحموا البيت ليلاً، وآثروا أن يبيتوا ليلتهم على بابه، حتى يأتي الصباح ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا كانت حرمة البيوت عند الجاهلية الأولى، وعند صناديدها من أبناء الكفر والشرك.
أما في جاهليتنا المعاصرة، فنجد اقتحام البيوت في منتصف الليالي، وترويع من بها من نساء وأطفال وشيوخ، فلا حرمة عند الجاهلية المعاصرة للبيوت ولا لساكنيها، بل إن إتلاف ما بداخلها وإفزاع من بها والاعتداء عليهم، كل ذلك يكون مقصوداً ومخططاً.

ثانياً: حرمة المرأة وكرامتها بين الجاهليتين
وتخبرنا المرويات أنه لما علم المشركون في الصباح بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غادر منزله، أسرعوا برجالهم وعتادهم إلى دار أبي بكر، وهم يعلمون أنه صاحبه ورفيقه، ولن تكون حركة محمد وهجرته إلا به، فلما طرقوا الباب ودخلوا على أسماء بنت أبي بكر، سألها أبو جهل عن أبيها، فلم تجب، فلطمها على وجهها، ثم استحى من جرمه، ونظر إلى رفاقه، وقال: "اكتموها، ولا تحدثوا بها عني، لئلا تتحدث العرب أننا نضرب النساء".

هكذا كانت حرمة المرأة وكرامتها عند الجاهلية الأولى.
أما في جاهليتنا المعاصرة، فنرى اعتقال النساء وضربهم وسحلهم، وتعذيبهم النفسي والبدني في السجون إلى حد التهديد بالاغتصاب، بل والاغتصاب الكامل كما وثقت بعض الحالات.

ثالثاً: العري والتّستّر بين الجاهليتين
وتخبرنا المرويات أنه لما استقر النبي صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه أبو بكر في غار ثور، تتبعه المشركون حتى وصلوا إلى باب الغار، وطمس الله على بصرهم وبصيرتهم، فاستبعدوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه قد أويا إلى هذا الغار، وقام أحدهم ليقضي حاجته أمام بابه، فقال أبو بكر: "قد رأونا يا رسول الله"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم".
هكذا شهد النبي صلى الله عليه وسلم على حسن تستّر الجاهلية الأولى، فعلى الرغم من جاهليتهم وشركهم، فإنهم كانوا أهل تستّر، تنفر فطرتهم من العري والتعري.

وإذا قال قائل إنهم كانوا يطوفون حول البيت عراة، لقلنا له إن هذا كان استثناء، وكان عن فهم خاطئ لبعضهم يظنونه ديناً، فقد كان القادمون من خارج مكة لا يطوفون حول الكعبة إلا في ثياب قرشية، فإذا لم يجدوا طافوا عرايا، ولولا أنهم كانوا يظنون ذلك من الدين لما فعلوه، أما عن جاهليتنا المعاصرة فحدث عن التعري ولا حرج، ولننظر إلى سيل الأفلام السينمائية التي يعلن عنها، فلن نجد إلا عرياً يلاعبون به رغبات الناس ويجذبونهم به إلى صالات عروضهم.

رابعاً: الوفاء بالعهد بين الجاهليتين
وتخبرنا المرويات عن عبد الله بن أريقط الليثي، ذلك الرجل الذي استأجره النبي صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه، ليكون هادياً لهما في الصحراء، وهو الماهر بها الخبير بدروبها.

وقد كان عبد الله بن أريقط على دين قومه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم استأمنه، وعاهده ابن أريقط على ذلك، فلم يغدر الرجل بعهده ووفى بما عليه، على الرغم من أن قريشاً كانت قد حددت المكافآت العظيمة لمن يدل على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، ولم تكن الأجرة التي جعلها له النبي تساوي شيئاً بجانب مكافآت قريش وأموالها، هكذا كان الوفاء بالعهد في الجاهلية الأولى.

أما في جاهليتنا المعاصرة فقد أصبح الغدر شيمة عامة، وأقصى ما يفعله الغادرون هو أن يكذبوا ليداروا غدرهم، فلا أحد يصدقهم إلا من أهل الغدر أمثالهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.