المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

عودة البرادعي وعودة الروح للثورة المصرية

تم النشر: تم التحديث:

منذ أن أقدم قائد الانقلاب العسكري على تغيير وزير داخليته، أحد شركائه في التدبير للانقلاب وأحد شركائه في المجازر التي حدثت من بعد ذلك، محمد إبراهيم، ومجيئه بمجدي عبد الغفار بديلاً عنه، منذ ذلك بدأت استراتيجية جديدة في تعامل أجهزة النظام مع المناهضين للحالة الانقلابية العسكرية.

بدأت مرحلة من التصفية المباشرة للخصوم في منازلهم ومزارعهم، وكانت حادثة شقة 6 أكتوبر هي بداية هذا النهج الذي لم يتوقف إلى الآن.

وقد نجحت استراتيجية النظام الانقلابي في ذلك، وأحدث هذا هزة عنيفة في جسد الحراك القائم، ومنذ هذه الحادثة (حادثة شقة 6 أكتوبر) والحراك الثوري يضعف يوماً بعد يوم، حتى وصل لما أصبحنا نراه الآن، حراك كأنه لا حراك، وثورة كأنها لا ثورة.

الآن وبكل صراحة في وصف حالتنا الراهنة، يجب علينا أن نقول: إن ثورتنا ماتت، أو هي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

رحم الله جماعة عرفت قدر نفسها

جماعة الإخوان المسلمين جماعة قوية، لها أفرادها الذين يُعدّون بمئات الآلاف، ولها تنظيمها القوي، وقدرتها على الحشد ظهرت في فعالياتها وحراكها ضد الانقلاب العسكري، اعتصامات شارك فيها مئات الآلاف، ومسيرات ومظاهرات شارك فيها مئات الآلاف كذلك.

لكن، ومع كل ذلك، لا بد أن تنظر الجماعة في أمرها، فتعرف قدرها وقدر إمكانياتها وقدر طاقتها وقدر المتاح لها في النتائج والمآلات.
الآن أدركت الجماعة - أو لا بد لها أن تدرك- أنها لن تستطيع مهما بلغت من القوة والحضور أن تسقط ذلك الانقلاب وحدها.

لقد بات واضحاً وضوحاً يقينياً أن ثورة إخوانية على النظام لن تنجح، وأن النظام سيستمر في قتله وبطشه بالجماعة وأفرادها، ولو استمر الأمر لعشرات الأعوام، وكل المحيط العالمي والإقليمي يقبل من النظام بذلك.

فلا يخاف ذلك المحيط العالمي وكذلك المحيط الإقليمي أكثر مما يخاف من نجاح ثورة إسلامية، أو نجاح تيار إسلامي في كسر أي نظام قائم في أي دولة كانت، فماذا إذا كان هذا النظام هو النظام المصري ذا الثقل الكبير في المنطقة؟!

لن تنجح ثورة الإخوان ولا حراك الإخوان في كسر هذا الانقلاب ولو استمر لعشرات السنين، هذا هو ما أصبح معروفاً من الواقع بالضرورة.

وهمُ الصكّ بالانتصار الإلهي

لقد عاشت جماعة الإخوان المسلمين وعاش أفرادها وهماً بأن هناك صكاً إلهياً بانتصارهم في هذه المعركة، فهي معركة -من وجهة نظرهم- بين حق
خالص وباطل خالص، ونصر الله يتنزل على أهل الحق حتى وإن طال الزمان.. ويا لَغرابة هذا الفهم!

مَن الذي قال إن الله ينصر أهل الحق في كل معاركهم وكل جولاتهم؟!

المعركة قائمة بين الحق والباطل منذ أن خلق الله الدنيا، وفلسفة الحياة كلها قائمة على فكرة هذا الصراع، وإن الحرب من حينها سجال بين الطرفين، فللحق وأهله جولة، وللباطل وأهله جولة.
ولقد كنت أقول من البداية إن مسألة انتصارنا ليست يقينية أبداً، ولكن كان الظن الغالب أننا منتصرون، ذلك لأن الخصوم بالغوا في ظلمهم وطغيانهم إلى حد مذهل غير مسبوق، ولذلك فإن الاعتقاد بفعل إلهي كان كبيراً.
لا يزال الأمر بيد الله وسيبقى، إن شاء غيّر المعادلة ونصرنا، لكن لا بد أن يستقر في أذهاننا أن لا صك إلهي بنصرتنا، ويجب أن لا نبني على هذا الصك الموهوم مواقفنا.

ما لا يُدرك كله لا يُترك كله
هذه قاعدة أصولية لا بد أن لا نغفلها، وإنه لمن الحكمة أن ننظر الآن لما يمكن أن ندركه وما بات مستحيلاً إدراكه.
إن ثوابت الأمس هي متغيرات اليوم، وإن ما لا يقبل التفاوض بالأمس يجب علينا أن نقبل التفاوض حوله اليوم مُجْبرين لا مخَيّرين.

لقد بات احتياج رفقاء ثورة يناير لبعضهم احتياجاً لازماً لا فكاك منه، وعلى كل الأطراف أن تقدم التنازلات من أجل ذلك.
فيا أيها الرفقاء، لقد أضعتم ثورة يناير بغبائكم، والفرصة لا تزال قائمة لإدراك ما مضى، فلا تضيّعوا الفرصة هذه، فيكتب عنكم التاريخ أنكم أغبى ثوار العالم.

فليجلس الجميع على مائدة الثورة، وليطرح الجميع رؤاهم، ولنخرج في النهاية بوثيقة وطنية لازمة وملزمة؛ ليعود الالتفاف حول هذه الوثيقة، ويعود العمل والحراك.

ليس كل غير السياسي طينة واحدة

لا بد أن تنتبه جماعة الإخوان المسلمين، وينتبه أنصارها من ورائها، أن غير السياسي ليس طينة واحدة، فمنهم العميل الحقيقي لأجهزة الدولة، تحركه هنا وهناك من أجل إكمال خططها، وتقديم خطط بديلة لخطط قائمة إن تيقّن فشلها.

لكن هناك من الغير من ليسوا من أبناء هذه اللعبة الجهنمية، هناك وطنيون شرفاء، لا يحبون الديكتاتورية والعسكرية، ويودون أن يعيشوا ويعيش أبناء بلدهم في حرية حقيقية ورخاء حقيقي، وعلينا أن نسعى لكي يصطف هؤلاء معنا.
لقد بتنا نحتاج لهذا الغير، ولن ننجح إلا به، فدعونا نُنَقّي قوائمه ممن أيقنّا بعمالتهم للنظام، ثم نستعين بالآخرين على أمرنا.

فلنستعِن ببعضهم على بعض

البعض يجزم بأن كل الغير هم مجموعة من العملاء الذين يستخدمهم النظام، فيخرج هذا علينا اليوم، ويخرج ذاك علينا غداً لإتمام مخططات النظام، أو مخططات أجهزة المخابرات العالمية في إحكام القبضة على المشهد المصري بحالته الراهنة، أو بحالته التي سيصير إليها إن تبينت استحالة دوام الحالة الراهنة.

ولهؤلاء أقول: فكرة أن يكون كل الغير بهذا الشكل فكرة غير مقبولة ومبالِغة، لكن إن افترضنا أن ذلك صحيح، فلماذا لا نلعب سياسياً باحتراف كما يلعب خصومنا، لماذا لا نستعين بالبعض في ضرب البعض الآخر؟
ويعني ذلك أن نستعين بالأقل سوءاً وبطشاً في إسقاط الأكثر سوءاً وبطشاً، ثم نكون بعدها أقدر على التعامل مع الواقع الجديد.

وجه الليبرالية الجميل

ل المذاهب التي وضعها العقل البشري في ذلك.
وما زلت ألحّ على أن لليبرالية أبناءها المخلصين، الذين يبغضون الديكتاتورية والعسكرية مثلما يبغضها الإسلاميون، وربما أكثر، ويمثلون في ذلك الوجه الجميل لهذه الليبرالية.

وعلى الإسلاميين أن يجدّوا في الاصطفاف مع هؤلاء، وأن يسعوا جاهدين لتحسين صورتهم عندهم، فصورة الإسلاميين مشوهة جداً في أذهانهم، إلى درجة أنهم يرون أن الإسلامية والعسكرية شيء واحد.

هم مخطئون بالقطع في نظرتهم هذه، لكن علينا كإسلاميين أن نزيل الغبش من على أعينهم، أو نحاول في ذلك قدر طاقتنا؛ لأن ذلك يفرضه علينا ديننا الذين يدعونا إلى هداية الناس أولاً، ولأننا نحتاج بقوة إلى هؤلاء في معركتنا مع العسكرية القائمة، فلا نجاح لنا إلا بهم.

البرادعي له وعليه

البرادعي في زعمي من هؤلاء، الليبراليين الحقيقيين المخلصين، وهو شخص له وعليه، له أنه حرك الركود السياسي المصري إبان عودته في 2010م، وكان من أهم أسباب اندلاع ثورة يناير، وله أيضاً أنه سعى لمنع المواجهة الدموية بين الانقلابيين وبين الثائرين عليهم، وله أخيراً أنه انسحب من المشهد بعدما تبيّنت له دموية العسكر ومجازرهم الكبيرة.
وعليه أنه ساهم بقوة في تهيئة الأجواء للانقلاب وإيجاد قبول دولي له، وعليه أيضاً أنه بقي نائباً للرئيس حين حدثت بعض المجازر الأوليّة التي كانت تنذر بمجازر كبيرة قادمة.

البرادعي رقم مهم لأي معادلة ثورية

البرادعي بصرف النظر عن الاختلاف في تقييم تجربته ودوره هو لازم حتمي لأي ثورة، ورقم لا يمكن تجاوزه في أي معادلة ثورية، ما كانت ثورة يناير لتقوم إلا به وبالتيار الذي يمثله ويقوده، وما كان الانقلاب على الإخوان لينجح إلا به وبتياره.

أنا لا أقول إنه الرقم الأكبر في أي معادلة ثورية، فهناك أرقام أكبر منه، ولكني أقول إنه رقم لازم، لن تتحقق المعادلة الثورية إلا به.
تحتاج الثورة على الانقلاب للبرادعي وللتيار الذي يمثله، أولئك الذين يرفضون دولة العسكر وديكتاتورية العسكر ودموية العسكر.
وعلى الإخوان أن يسعوا جاهدين للملمة هؤلاء، فلا نجاح لهم إلا بهم، حتى وإن قدم الإخوان تنازلات من أجل ذلك.

فرصة تاريخية لعودة الروح للثورة المصرية

الثورة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة من الممكن أن تعود إليها الروح، ويعود إليها النبض، وتدب فيها الحركة.
ونحن في لحظة تاريخية تعطينا الأمل في ذلك، فالخراب الاقتصادي الذي أحدثه العسكر خراب غير مسبوق، يعطي قبولاً شعبياً عاماً لأي حراك ضد النظام، وقضية تيران وصنافير قضية أثارت الرأي السياسي العام، وتعطي دافعاً سياسياً عاماً للحراك ضد النظام،
والقمع الذي يمارسه العسكر قمع غير مسبوق يعطي دافعاً كبيراً لأرباب الحرية وطلابها؛ لكي يجدّوا في حراكهم ضد العسكر لاستعادة الحرية التي سُلبت منهم بعدما نالوها في يناير 2011م.

لحظة تاريخية لعودة الروح للثورة المصرية، لحظة تاريخية لعنة الله على مَن سيضيّعها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.