المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجي سلطاني Headshot

انفجر غضباً وسخطاً: "الله ظالم يا شيخ"

تم النشر: تم التحديث:

في حوار دعوي لأحد الدعاة الكبار المشهورين، تحدث الداعية عن موقف حدث معه؛ حيث استوقفه أحد الناس، وقال له غاضباً محتداً: "الله ظالم يا شيخ"، فكيف يترك كل هذا الظلم والقتل ولا يفعل شيئاً؟
وإن كنت راداً عليّ، فبغير أن تقول لي: "قال الله وقال الرسول".

استوقفني الموقف، واستوقفتني الجملة التي أعرف أنها تتردد في أذهان البعض عندما يشاهدون الأحداث والوقائع التي تحدث للمسلمين والمستضعفين هنا وهناك، وعندما أقول "تتردد في أذهان البعض"، فأنا أقصد البعض من المؤمنين، الذين لا يجدون دافعاً لهذا التساؤل إذا ثار في أذهانهم، إلا أن يقولوا: "نستغفر الله، إن هذا من وسوسة الشيطان"، ثم يتوقفوا عن التفكير في الأمر، معلنين بذلك هزيمتهم الحقيقية أمام هذا التساؤل؛ لأنهم بدفعهم السؤال عن رأسهم وأذهانهم يؤكدون أن إجابتهم عنه لن تكون في صالح إيمانهم وعقيدتهم، ولذلك فإنهم يبادرون إلى الاستعاذة والصرف.

وقد رد الداعية على سؤال الرجل بما وفقه الله إليه، ورأيت أن أدلو بدلوي في الأمر، عسى أن يجري الله حقاً على قلمي.

ونزولاً على مراد الرجل، فلن أتحدث عن الموضوع بنصوص قرآنية أو نبوية، وإنما الحديث هنا حديث عقلي منطقي استدلالي.

أولاً: وجود الظلم والظالمين هو مراد ومقصد لله تعالى، وهو من أهم أعمدة فلسفة الحياة.
فالله تبارك وتعالى قد أراد وقصد أن يوجد الظلم، وأن يوجد الظالمون؛ لأن مراد الله من خلق هذه الحياة هو أن يحدث الصراع العظيم الخالد بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، هذه هي فلسفة الحياة الكبرى، فلسفة تتكئ على ساقين اثنتين لا تقوم إلا بهما، ساق الحق والعدل، وساق الباطل والظلم.

والمثال الأول لهذه الحياة قد أوجده الله عندما أوجد آدم وعاء الحق والعدل، وأوجد إبليس وعاء الباطل والظلم، ثم أمر الله أن تبدأ الحياة من صراع هذين الوعاءين وأتباعهما.
إذاً، فلا حياة بغير ظلم وظالمين، إلا أن تكون حياة في الجنة الموعودة؛ حيث الحق ولا غيره، والعدل ولا غيره، إلا ما زاده الله من فضله إكراماً وإنعاماً.

وبالتالي فالذين يدّعون بأن يهلك الله الظالمين عموماً، وبأن لا يبقي ظلماً ولا جوراً، هم لا يعرفون مراد الله من خلقه، إلا أن يكونوا بدعائهم هذا مبتغين ثواب الدعاء كعبادة، ثم يوكلون الأمر بعدها لله، فهو الحكيم الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه.

ثانياً: الله خلق الحياة وجعل الأسباب والمسببات، ثم لا يتدخل إلا نادراً.
فالله -عز وجل- خلق هذه الحياة وما فيها، ثم جعل الأسباب والمسببات، وجعل العلاقة بين الأسباب ومسبباتها علاقة تكاد تكون حتمية "ولا نجزم بحتميتها حتى لا ندخل في قضية فلسفية اختلف فيها المتكلمون وكفروا بها بعضهم"، المهم أننا نقول إن الأسباب غالباً ما تؤدي إلى مسبباتها (بفتح الباء الأولى والثانية)، وقد جعل الله -عز وجل- قوانين وعلاقات، ثم قدر بعد ذلك ألا يكون تدخله إلا في أضيق الحدود وأندرها.

ولذلك فالذين يقعدون منتظرين صيحة من الله على الذين ظلموا، أو ينتظرون ريحاً تهلكهم، هؤلاء واهمون لا يعلمون، إنما كان هذا شأن الله في الأمم السابقة، ثم إنه لما أتم شكل الحياة كما ينبغي في هذه الأمة، فقد قضى عليها بمراده الأصلي الذي بنيت عليه هذه الحياة وفلسفتها، وهو ألا يتدخل إلا معيناً مناصراً من خلف ستار سببي، وفي ذلك ألقى أحد الدعاة محاضرة يوماً بعنوان "لسنا في زمن أبرهة".

ثالثاً: لو تدخل الله لإهلاك كل ظالم لفسدت الدنيا، ولضاع ثواب المؤمنين.
فلا يتصور أحد أن يتدخل الله تبارك وتعالى لإهلاك كل ظالم، فلو كان ذلك لفسدت الدنيا، وذلك لكثرة الظالمين، وهناك من الظلم في حياتنا ما لا يقل عن ظلم القتل والتشريد، ولو أهلك الله كل ظالم من هؤلاء لما بقي في الحياة إلا القليل، ولأهلك الأكثرين.

وإذا أهلك الله الظالمين، فأين سيكون دفع المؤمنين عن أنفسهم الذي أراده الله منهم، والذي جعل لهم به جنات خالدة.
إن جهاد المؤمنين ودفاعهم عن أنفسهم ضد كل ظالم وغادر هو أعظم ما يتقربون به إلى الله تبارك وتعالى، وهم في مواجهتهم مع هذا الظالم فائزون على كل حال، فإما انتصار وظَفَر، وإما جنات ونَهَر.

رابعاً: كيف يدعو الله خلقه للعدل ثم لا يكون عادلاً.
من المعروف أن أهم ما يدعو الله إليه عباده وخلقه هو أن يحققوا العدل في هذه الحياة، ثم إن الله قد أوضح ما أعده للظالمين في الآخرة من العذاب والنكال.
فكيف يُتصور بالله أن يدعو لشيء وهو لا يتصف به، وأن يجازي بالعقاب من يفعل شيئاً هو أول من يفعله ويأتيه، إنه لمن السفه والجنون أن نتخيل ذلك.

خامساً: الله قادر، إذاً فالله ليس ظالماً (استدلال منطقي).
وفي هذه النقطة، وهي أهم ما استدل به على أن الله ليس بظالم، أقول:
نحن متفقون على أن الله قادر، وأن قدرته لا تُحد بحد، وإذا تساءل متسائل: وكيف نسلم بذلك؟
أقول: الناظر في خلق الكون والإنسان والعالم، يجد دقة مبهرة عجيبة في هذا الخلق، لا يُصدق معها إلا أن تكون قدرة مطلقة غير محدودة بحد هي التي وقفت وراء هذه الدقة في هذا الخلق.

ثم أتساءل: هل الظلم نقص وعيب إذا ما اتصف به متصف؟
الإجابة بالطبع: نعم.

إذاً كيف يرضى الله تبارك وتعالى على نفسه النقص والعيب بأن يتصف بالظلم، في حين أنه قادر على أن يكون كاملاً غير متصف بأي نقص وعيب، وهو القادر على كل شيء كما قلنا.

إذاً فالله تعالى كامل متصف بكل صفات الجلال والكمال، ويستحيل عليه النقص؛ لأنه قادر على إكماله، ومن هنا فيستحيل على الله أن يكون ظالماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.