المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

منصات التدوين وظاهرة الكتّاب الجدد

تم النشر: تم التحديث:

يوماً ما منذ سنوات عدة، ظهر شاب صغير حليق اللحية، يتكلم بلسان جديد، ويلبس لباساً غير ما اعتاد لبسَه أقرانُه، ظهر ليدعو الناس إلى مكارم الدين والأخلاق، وشكّل ظهور هذا الشاب حينها بداية ما عرف بظاهرة (الدعاة الجدد)، وهي ظاهرة أحدثت ضجة كبيرة بين مؤيدين ومعارضين.

وفي كتابة المقالة، كان التبشير بظهور جيل جديد من الكتّاب عندما ظهرت المدونات الخاصة، وهي منصات للتدوين الفردي أشبه بمواقع التواصل الاجتماعي الجديدة، غير أنها خاصة بالتدوين الطويل (المقالي). وساعد ذلك بقوة على ظهور جيل كبير من المدونين والكتّاب الجدد، إلا أن ظهورها حينها لم يكن قوياً، وانتشارها لم يكن كبيراً؛ لأن فكرة المدونات الخاصة من حيث الاطلاع عليها ومتابعتها ظلت خاصة بنطاق محدود ونوعية محدودة من القرّاء والكتاب.

وجاءت بعد ذلك بعض المواقع التي اهتمت باستكتاب الشباب والنشر لهم، ثم انتقل الأمر بعد ذلك نقلته الكبرى، عندما ظهرت منصات التدوين العامة، التي فتحت الأبواب لكل صاحب قلم، سواء كان كبيراً أو شاباً، ليكتب ويبدع، وأضحى الإقبال عليها كبيراً، ففتح ذلك البابَ لجيل كبير من الشباب.

ظهر جيل من الكتّاب الجدد، وبدأت ظاهرة تشبه ظاهرة الدعاة الجدد، شباب يكتبون بمذاق جديد، على غير هيئة الكتّاب القدامى وبغير لسانهم، إلى حد كبير .

أول ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة، هو كون هؤلاء الشباب هواة لا محترفين، وأعني بعدم الاحتراف هنا عدم التفرغ التام للكتابة، فقديماً كان كتّاب المقالة في غالبيتهم العظمى صحفيين وأدباء متفرغين، أما الآن، وبعد أن فُتحت الأبواب لكتابة الشباب، ما عادت المواقع والمدونات التي تنشر لهم تعطي أي مقابل مادي، وأدى ذلك إلى أن يبقى الشباب في حياتهم العملية الأخرى، وأن تظل ممارستهم للكتابة والنشر في إطار الهواية لا الاحتراف، وربما يكون لذلك تأثير سلبي في المدى البعيد، فالعمل الوظيفي اليومي قاتل للإبداع، والكتابة تحتاج لتفرغ تام، ليكون فيها دائماً الجديد المُبْدَع .

وتأتي اللغة والثقافة عند هذا الجيل من الكتّاب كشيء يثير الانتباه والملاحظة، فمع أن الكثيرين من أبناء هذا الجيل على حظ طيب من إتقان اللغة والحصيلة الثقافية؛ بل إن بعضهم يصل إلى حد الإجادة والتميز فيهما، إلا أن الكثيرين منهم تظهر لغتهم سطحية ركيكة، وثقافتهم على الحال نفسه من السطحية والركاكة.

وعلى جانب آخر، نجد بعضاً منهم من المتشدقين والمتفيهقين، المستعرضين بلغتهم وثقافتهم استعراضاً ظاهراً، يشبه إلى حد كبير فكرة الصناعة والتصنّع في الشعر، ويبعد عن الطبع والسليقة بعداً كبيراً.

وفي هذا الجيل "أنا عالية"، تظهر جليّة في عرضهم لآرائهم ومواقفهم، حيث يعرضونها بشيء من التعالي، إلى حد التشويه لكل معارض. وداء الأنا العالية هو داء يصيب كثيراً من الكتاب والأدباء؛ لأنهم يتلبّسون روح المصلحين، وهي روح فيها من روح الأنبياء، لا ينجو من التعالي بها إلا الأنبياء الحقيقيون وأقرانهم. والخلل هنا يكمن في ظن الكاتب أنه المصلح الأعظم، وأن رأيه هو الرأي الأوحد، ومن العجب أن يصل كتاب شباب، ما يزالون في بداية مشوارهم الإبداعي، إلى هذه الحالة، وماذا يُنتظر منهم إذاً بعد سنوات وعقود؟!

وفي هذا الجيل نزع ظاهر للثورة على الأسلاف والأصول، فقد شكلت بداية ثورات الربيع العربي بداية لثورة الشباب في أكثر من اتجاه وناحية، فمن ثورتهم على النظم السياسية الديكتاتورية الحاكمة، إلى ثورتهم الفنية التي ظهرت في ألوان جديدة من الغناء والموسيقى السياسية والشعبية، إلى الثورة على الأسلاف والأصول، ووصل الأمر إلى حد الثورة على المعتقدات والأديان، فقد بدأت منذ بداية الربيع العربي موجة إلحادية كبيرة، انتشرت بصورة مقلقة في صفوف الشباب.
وأما عن ثورتهم على الأسلاف والأصول، فإننا نجدهم يثورون على مدارسهم الفكرية التي ينتمون إليها فينقدون الأصول والثوابت والرموز، نقداً تعوزه الدقة والإنصاف والتجرد في كثير من الأحيان.

نحن نحتاج حقاً لإعمال عقولنا في تراث الأوائل وميراثهم، لنقبل منه ونرفض، ونجدد ونضيف، لا أن يصل الأمر إلى حد إدمان الثورة على الأصول والثوابت وواضعيها ورموزها، وتتعمق بذلك مأساتنا بين الإفراط في تقديس التراث والإفراط في نقده وهدمه.

وقريب من ذلك، إدمان ذلك الجيل من الكتاب الشباب جلد الذات، فهم - على سبيل المثال - في كتاباتهم عن معركة النظم الديكتاتورية والحركات الإسلامية يكيلون النقد والاتهام للحركات الإسلامية أكثر مما يكيلونها للنظم.

الشعوب عندهم متهمة أكثر من الحكام، والحركات الإسلامية متهمة أكثر من النُظم الحاكمة، والمسلمون متهمون أكثر من العدو الغربي والشرقي.

نحن نحتاج إلى نقد الذات لا إلى جلدها، ولا يصح أن نهاجم المظلوم وننتقده أكثر من نقدنا للظالم وهجومنا عليه.

وبعضٌ من هؤلاء يكتبون مخالفين لمجرد إحداث الضجة والدويّ، حتى وإن غاب عن ما يخالفون فيه العقلانية والمنطقية.

وهم في هذا يسيرون على درب المثل الشهير الذي يقول (خالفْ تُعرف)، فعيون القراء تقع أول ما تقع على العناوين الجديدة التي تخالف المتعارف عليه من المسلمات والأفكار.
لا ضير أن نعرض ما نخالف فيه، وأن نلحّ على عرضه ما دمنا متيقنين من صحته، لكن أن نقصد للخلاف لمجرد الخلاف حتى يقرأ لنا القارئون ويُعجَب بنا المعجبون ويصفق لنا المصفقون - فهذا هو عين الخلل.

وقد شغلت هذا الجيل كثير من الشواغل الجديدة، التي أبعدته كثيراً عن تلمّس المعلومة في منابعها الأصلية من الكتب والمراجع.

فها هو العالم الإلكتروني بمواقع تواصله يأكل أغلب أوقات هذا الجيل. ومن ذلك، فنحن على أبواب إشكالية كبرى، تغدو فيها مواقع التواصل الاجتماعي هي المرجع النهائي لأغلب ما يُكتب من معلومات وأفكار ورؤى، ولا يخفى عن كل باحث ما في مواقع التواصل من سطحية في التناول والأداء، واضطراب في النقل والاقتباس، وكذب وتدليس في أحايين كثيرة.

هذه المشكلة موجودة في هذا الجيل من شباب الكتّاب، وستكون موجودة بشكل أعمق وأكثر تأثيراً في الأجيال القادمة، إلا أن يحدث جديد، فتكون معطيات جديدة ونتائج جديدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.