المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

نحو نظرية سياسية أقرب للروح الإسلامية "الديمقراطية ليست نهاية التاريخ"

تم النشر: تم التحديث:

النظرية السياسية المسيطرة على العالم الآن هي النظرية "الديمقراطية الرأسمالية"، والتي يروج لها أربابها الغربيون على أنها الحق الذي لا يقابله إلا الباطل، والخير المحض الذي لا يقابله إلا الشر.

هذه الديمقراطية التي أنتجها الغرب بعد صراع طويل مع الطبقية والاستعباد والتمييز، وكذلك مع الكهنوتية الكنسية والتسلط الديني الفاسد، قد غدت عند الغرب دينه وديدنه، حتى سخر كل ما يملكه من إعلام وأقلام للتبشير بها، بل واستخدم القوة في بعض الأحيان في فرضها، ونحن لا نقول كما يقول الغرب بأنه ينشر هذه الديمقراطية بحروبه التي يشعلها هنا وهناك، ولكنا نقول بأنه لا يصنع تلك الحروب إلا لمصلحته وأغراضه الاقتصادية والعسكرية وغيرها، ثم إنه على هامشها يعمل على نشر قيمه ومفاهيمه للحياة المعاصرة، والتي تأتي في مقدمتها الديمقراطية كنظام سياسي بتوأمه الاقتصادي "الرأسمالية".

ووصل العقل الغربي إلى حالة من الغرور في تسويقه لهذه النظرية السياسية، إلى حد الادعاء بأنها هي نهاية ما وصل العقل البشري إليه، بل ونهاية ما سيصل إليه، وذلك يعني أنها غاية الكمال في التنظير للعمل الديناميكي السياسي للدول والأنظمة المعاصرة.

وكتب في ذلك أحد أقطاب مفكري الغرب، وهو الكاتب الأميركي من أصول يابانية "فرانسيس فوكوياما"، الذي كتب بعد نهاية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والغرب، والتي انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي بنظريته الشيوعية الاشتراكية، ليقول "فوكوياما" إن الديمقراطية الغربية هي نهاية التاريخ في التفكير البشري السياسي، وذلك يعني من وجهة نظره أنها هي النظام الذي سيحكم العالم إلى نهايته، وأن العقل البشري سيعجز عن إنتاج غيرها، لأنها في رأيه هي منتهى ما سيصل إليه على الإطلاق.

وكتب أيضاً في نفس المعنى والسياق الكاتب الأميركي الكبير "صامويل هنتغتون"، وذلك في كتابه "صراع الحضارات"، حيث أقر في أطروحات هذا الكتاب أن الديمقراطية الغربية هي خلاصة ما أنتجه العقل البشري، وأنها ستقابل بالرفض والمعاداة من الثقافات والمعتقدات الخاصة، مثل "الإسلامية" و"الصينية"، وأن ذلك سيشكل صراعاً بين الطرفين، الحضارة الديمقراطية الغربية من جهة، والحضارات المحلية المحافظة من جهة أخرى.

هكذا صنع الغرب نظاماً سياسياً، واعتقد أنه نهاية ما وصل إليه العقل، بل ونهاية ما سيصل إليه، وصدّر ذلك إلينا نحن أبناء الحضارة الإسلامية، فلم نجد بدّاً من تلقّف هذا النظام السياسي الغربي، على اعتبار أنه الأفضل، قناعة منا بذلك، أو تقليداً وتبعية للغرب، كما نقلدهم ونتبعهم في كل شيء.

وهنا لا بد أن نؤكد على أشياء هي:

1- الديمقراطية هي نهاية ما وصل إليه العقل البشري في التنظير لنظام سياسي منظّم إلى الآن.

2- الديمقراطية بنظامها وطريقتها هي أقرب النظم السياسية الحالية إلى الروح الإسلامية، فالوراثية والديكتاتورية والعسكرية والشعبوية والفوضوية، كلها نظم بعيدة عن روح الإسلام.

ولكن لا بد أيضاً أن نؤكد على أشياء أخرى هي:

1- إذا كانت الديمقراطية هي نهاية ما وصل إليه العقل البشري إلى الآن، فهي ليست نهاية ما سيصل إليه، وبالتالي فمن الوارد جداً أن يأتي ذلك العقل بنظام سياسي آخر أفضل منها، فالديمقراطية ليست نهاية التاريخ.

2- إذا كانت الديمقراطية هي أقرب النظم الموجودة الآن إلى الروح الإسلامية، فإنها تحمل في نموذجها وطريقتها أشياء تبعد عن الروح الإسلامية، وتعارض بعض المبادئ الإسلامية المعروفة والمعتبرة، وبالتالي فنحن مطالبون كعقول إسلامية سياسية بأن نفكر ونبدع ونبتكر نظاماً سياسياً جديداً أقرب إلى روحنا الإسلامية، أو أشد قرباً.

ولكي يكون الكلام دقيقاً ومحدداً، فسنسوق بعض ما تخالف فيه الديمقراطية روحنا الإسلامية، ومنهاجنا الشرعي القويم.

1- السلطة المطلقة للشعب

حتى ولو شرّع غير ما يريده الله، وغير ما يقره كتابه وسنته، صحيح أننا نقول في قبول الديمقراطية، إننا في بلادنا الإسلامية متأكدون أن الشعب بأغلبيته لن يذهب إلى أن يشرّع غير ما شرعه الله، أو يرضى بغير ما يُرضي الله، ولكن يبقى السؤال المقلق: ماذا لو أقرت أغلبية الشعب غير ما يوافق شريعتنا وديننا؟.

2- الاختيار لعموم الناس

اختيار القادة والرؤساء أخطر ما يواجه الأنظمة السياسية، ولا يصح أن يوكل هذا إلى عموم الناس بغوغائهم ودهمائهم.

في الديمقراطية يشارك كل من وصل للسن القانوني في اختيار الرؤساء والنيابيين والمسؤولين، حتى ولو كانوا مجانين أو بلهاء.. والفكرة الإسلامية في وجود أهل الحل والعقد لاختيار الحاكم فكرة غاية في الأهمية، ويجب أن يلتفت إليها النظام السياسي الإسلامي.

3- التحزب

الذي لا يصنع إلا تنافسا ًوتعادياً بين الأحزاب المختلفة، والمفروض أن الروح الإسلامية تحثنا على كل ما يجمعنا، وترفض كل ما يفرق الأمة ويصنع بينها تلك الضغائن، وقد رأينا أن هذا التحزب السياسي قد صنع التعادي والتحارب بين أبناء الفكرة الإسلامية نفسها.

4- طلب الإمارة والرئاسة

النظام الديمقراطي مبني كله على فكرة أن يتقدم كل من يرى في نفسه القدرة على القيادة إلى المنافسة عليها، ثم يكون الاختيار بعد ذلك، وهذا ما جعل النفوس تتوق إلى مراكز القيادة والرئاسة عن رغبة وشهوة أكثر مما تكون عن رؤية للقدرة والكفاءة.

وهذه الطريقة موجودة في كل المواقع القيادية داخل النظام السياسي، وحتى داخل الأحزاب السياسية ومناصبها القيادية.

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه"، وقال: "إنك إن طلبتها وكلت إليها، وإن طُلبت إليها أعنت عليها"، ولا يقولن قائل إن يوسف عليه السلام قال: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، فالمعروف أن شرع من قبلنا هو شرع لنا إن لم يأتِ في شرعنا ما يخالفه، وقد جاءت أحاديث النبي السابقة.

ثم إن يوسف عليه السلام قد طلبها في أمة ليس فيها مؤمن إلا هو، وقد أراد بمنصبه أن يهدي إلى الله به ما أمكن، أما نحن ونحن في أمة مسلمة فلا يسعنا إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من إنكار طلب الإمارة والتحذير منه.

وفي النهاية نقول:
إننا نحن أبناء الفكرة الإسلامية نقبل بالديمقراطية كفكرة سياسية، لأنه لا يوجد البديل الأفضل منها إلى الآن، ولكننا مطالبون في الوقت ذاته بأن نبحث عن ذلك البديل الأكثر قرباً من الروح الإسلامية، فالديمقراطية ليست أبداً نهاية التاريخ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.