المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

هل كان الاعتصام مسلحاً؟.. هذه شهادتي

تم النشر: تم التحديث:

لم ينسَ الإخوان موقعة الاتحادية التي قُتل فيها عشرة منهم على أيدي بلطجية الأمن ومرتزقيهم، ولم ينسوا الاعتداء على كافة مراكزهم ومقراتهم الخاصة بالجماعة وبحزبها في كافة أنحاء الجمهورية، وحينها قُتل بعض أفراد الإخوان حينما دافعوا عن مقراتهم بأيديهم العارية أمام بلطجية الأمن ومرتزقيهم المسلحين، معركة الإخوان مع البلطجية والمأجورين المسلحين الذين تستخدمهم أجهزة الدولة لم تتوقف منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني.

وقد شهد أبوالعلا ماضي بأن الرئيس مرسي أخبره أن أجهزة المخابرات والأمن في عهد مبارك قد جندت جيشاً كبيراً من البلطجية والخارجين عن القانون، وهو جيش يُعد أفراده بالآلاف، جيش البلطجية هذا جيش خاص بأجهزة المخابرات والأمن التي بقيت بعد ذهاب مبارك، وبقي استخدامها لهذا الجيش واستعمالها له في أغراضها الأمنية والسياسية.

لما ذهب الإخوان إلى اعتصام رابعة ذهبوا وهاجس البلطجية المسلحين هاجس كبير يشغلهم، ويُلح عليهم شبابهم وأنصارهم أن لا يسلّموا أنفسهم لهؤلاء لقمة سائغة، وأنه لا بد أن يكون هناك بعض من السلاح للدفاع عن النفس أمام هؤلاء.
سمح الإخوان أمام هذا الضغط لبعض الشباب المتحمس بأن يأتي ببعض قطع السلاح القليلة، وذلك بهدف ردع البلطجية وتخويفهم إن استخدمهم الخصوم لمهاجمة الميدان، وقد كان.

لم يُكذّب العسكر الظن فيهم، فبعثوا بلطجيتهم ومأجوريهم مع أول إعلانهم للانقلاب، وهاجم هؤلاء الميدان، وأطلقوا نيرانهم، ولم يردعهم ويكْفِ الاعتصام شرهم إلا قطع السلاح القليلة هذه.

وحدث ما هو أشد من ذلك في ميدان النهضة، ففي أول يوم للاعتصام هناك، هاجم البلطجية الميدان، وقُتل في ذلك اليوم ثمانية عشر رجلاً، وبدأ الاعتصام هناك رغم ذلك، وقام عليه شباب (حازمون)، وكانوا أكثر تصميماً من الإخوان على ردع أي هجوم عليهم من البلطجية والمأجورين.

اعتصمت أنا مع المعتصمين في رابعة من بداية الاعتصام إلى أن قرر المعتصمون هناك مد اعتصام النهضة ببعض الجموع تقوية له، وكنت ممن ذهب من رابعة إلى النهضة، وبقيت فيها حتى فُضّ الاعتصام في الرابع عشر من أغسطس/آب. ومضى الحال على هذه الشاكلة، في كل ليلة يُهاجم الميدان من بلطجية النظام بالسلاح، فيتصدى لهم بعض الشباب المسلح، وهم شباب يعدون على أصابع اليد، فيردعون المهاجمين ويستمر الاعتصام.
لم أرَ في رابعة أي قطعة سلاح، ولكني سمعت طلقات بندقية واحدة تطلق رصاصاتها في الهواء لترد البلطجية عندما هاجموا الميدان في ليلة الثالث من يوليو/تموز بعد بيان الانقلاب، بندقية واحدة تلك التي سمعت صوت رصاصاتها المتتابعة.

ولم أرَ في ميدان النهضة غير بندقيتين ومسدس حينما هاجم البلطجية في ليلة من الليالي. تلك كانت قصة التسليح في رابعة والنهضة.

ألح الكثير من الناس على الإخوان، كما ألحت بعض الجماعات الإسلامية، بأن يسلح الاعتصام؛ لأنهم يخافون من غدرة النظام الكبرى، لكن الإخوان كانوا يرفضون بقوة، وكانوا يعلمون أن في تسليح الاعتصام الهلاك الأكبر، فهو التبرير الأكبر للهجوم من قوات النظام على الميدان، وحينها ستكون المذبحة الكبرى، وحرصُ الإخوان على الدماء حرص بالغ ظاهر في كل ممارساتهم وتوجهاتهم.

لم يعدُ الأمر عند الإخوان السماح لبعض الأفراد القليلين جداً ببعض قطع السلاح القليلة جداً من أجل ردع البلطجية المسلحين. لم يكن في تدبير الإخوان ولا في تخيلهم أن تحدث مواجهة مع قوات الأمن والجيش. بدأ النظام العسكري الانقلابي يروج لفكرة أن الاعتصام مسلح، من أجل أن يبرر لمذبحته المخطط لها.

وجاء المراقبون الإفريقيون والأوروبيون من أجل ذلك، ولما رأى الإخوان هذا، وبدأوا يفطنون إلى خطة النظام في هذا الأمر، أخذوا القرار بإخراج أي قطعة سلاح من الميدان، وتفتيش الآتين إلى الاعتصام وعدم السماح لأي مسلح بدخوله.

كنت حينها في النهضة، وقد أتتنا الأخبار من رابعة، بأن القائمين على الاعتصام هناك ما عادوا يسمحون بأي سلاح في الميدان مهما كان صغر حجمه ومهما كانت قلته، وكذلك بدأ الحال يتغير في النهضة.

أقدم الانقلاب على إكمال مخططه وجاء يوم فض الاعتصام، كنت في النهضة، ورأيت جموع المعتصمين تسير أمام المدرعات والمجنزرات، ولا يملكون إلا رمي الآليات والجنود بالحجارة على أطراف الميدان بعد إخراجهم منه، وكنت ممن حوصروا في كلية الهندسة، والقوات ترمينا بالرصاص طوال النهار، فلم أجد إلا شباباً يقابلون النار بالطوب والحجارة.

لم يكن الاعتصام مسلحاً، وكل من يقول غير ذلك كذاب مدعٍ. رفض الإخوان تسليح الاعتصام رغم الضغط الهائل من شبابهم وأنصارهم من الجماعات والحركات. من الوارد أن تكون قصة السيارة المليئة بالسلاح التي تحدث عنها أحمد المغير قصة حقيقية، فإن كانت كذلك فهي شهادة تأكيد على سلمية الاعتصام وعدم تسلّحه، وتأكيد على أن الإخوان كانوا يُخرجون من الاعتصام أي نوع من أنواع السلاح يدخل به أفراد أو تدخل به جماعات أو مجموعات.

لو كان هذا الاعتصام مسلحاً، فكيف تتخيلون معركة بين عشرات الآلاف من المعتصمين المسلحين وبين قوات الأمن، لو كان لطالت المعركة لأيام وربما لأسابيع وشهور، ولقُتل فيها المئات بل والآلاف من قوات الأمن والجيش. فيديوهات الفض تؤكد تأكيداً قاطعاً سلمية الاعتصام، وبعض هذه الفيديوهات التي تُظهر أفراداً معدودين بسلاح هنا وهناك، إما أن تكون فيديوهات مفبركة من أجهزة الأمن، وإما أن يكون هؤلاء الأفراد قد خبأوا بعض قطع السلاح القليلة بعيداً عن أعين الإخوان وعن أعين إدارة الاعتصام.

قوات الأمن وهي تفض الاعتصام كانت موجهة لإحداث مجزرة، فقد كان المسلحون الذين ظهروا في فيديوهاتهم قليلين جداً، فإن كان لها أن تقنص هؤلاء، فكيف تقنص مئات المدنيين، الذين يرى القانصون حين يقنصونهم أنهم مدنيون سلميون لا يوجد في أيديهم لا سلاح ولا حتى حجارة.
الاعتصام كان سلميا، وفضه هو أكبر مجزرة لمعتصمين سلميين في التاريخ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.