المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد غانم Headshot

أردوغان وأوغلو.. الصراع على القيادة وآفة الحركة الإسلامية

تم النشر: تم التحديث:

الحقيقة أن الصراع على القيادة ليس آفة الحركة الإسلامية فقط، لكنه آفة أي عمل حزبي أو حركي أو منظم، وبالمجمل نقول: أي تجمع بشري فيه قيادة ورأس سنجد فيه صراعات حول رأسه وقيادته، ونقول: ويكاد يكون هذا من أقدار الله الحتمية التي كتبها الله على بني آدم.

كتبت يوماً منذ سنوات تحت عنوان (الحسد فلسفة الحياة الكبرى)، وقلت في ذلك المقال ما معناه: (إن الحسد هو فلسفة الحياة الكبرى، فهو أساس نشأتها وأساس بقائها ودورانها، فما كانت الحياة لتكون لولا حسد إبليس لآدم ووسوسته له من أجل إخراجه من الجنة ونزولهما معاً للأرض، ودوران الحياة الدنيا بالصراع بينهما، بين آدم وذريته المكرمين المخاطبين بتوجيه الله، وإبليس وذريته الحاسدين الموسوسين المضلّين).

وقلت ما معناه: (إن أكبر ما يُخشى على الحركة الإسلامية منه هو ذلك الحسد الذي يصنع التنافس والتصارع على القيادة والرئاسة، وهذا هو سبب أكبر مشاكل الحركة الإسلامية، من تشرذمها وتكسّرها إلى أكثر من جماعة وحزب، وليست الاختلافات الفكرية أو السياسية هي التي تفرّق بين هذه الأحزاب والجماعات الإسلامية داخل الإطار العام للحركة الإسلامية، وإنما حظ النفوس من الرغبة في القيادة والرئاسة والاستئثار بالتوجيه، وحسد الثاني للأول والثالث للثاني في ترتيب مقاعدهم في سدة القيادة).

لو نظرنا لجماعة الإخوان المسلمين في لحظتها الراهنة، باعتبارها الممثل الأكبر والأهم للحركة الإسلامية، لوجدنا اختلافاً وصراعاً وانشقاقاً يضرب أغلب فروعها في البلدان العربية والإسلامية، ومرد ذلك للصراع على القيادة والتحاسد حولها.
الصراع الدائر على القيادة للحركة الإسلامية في الجزائر، الذي أنتج في النهاية أربعة أو خمسة أحزاب، تنادي كل واحدة منها بأنها هي الممثل الحقيقي لفكر وتنظيم الإخوان.

وفي الأردن تنشق الجماعة إلى جماعتين، كل واحدة منها باسم الإخوان المسلمين، وعلى رأس كل منها ثلة من القيادات الكبيرة للجماعة الأم.
وفي مصر تتنازع على قيادة الجماعة الآن قيادتان، تُعرف إحداها بالقيادة الجديدة والثانية بالقيادة القديمة أو التاريخية.

وفي أماكن كثيرة أخرى، في السودان وماليزيا وسوريا وغيرها..

إشكالية كبيرة تتمثل في جانبين، جانب القيادة الموجودة وحبها في البقاء، وعدم تقبلها لأن تقاد بعد أن كانت تقود، ولأن توجَّه بعد أن كانت توجِّه.
وجانب قيادات الصف الثاني والثالث التي تتوق نفوسها لتسلم راية القيادة والقعود على مقاعد الحكم.

ولو تتبعنا تاريخ الحركة الإسلامية فإننا سنجد أن من أكبر المشاكل التي واجهتها، مشكلة استيعاب القيادة بعد تنحيها أو إبعادها.
ثقيل على نفوس هؤلاء الإنصات لقيادة جديدة كانت يوماً من تلاميذهم ومريديهم.

ولو أردنا أن نمثل لما نقول سريعاً سنجد.

الدكتور الترابي بعد سنين طويلة رأساً للحركة الإسلامية في السودان ينشق عنها ويؤسس فرعاً آخر لمّا أن ابتعد عن القيادة أو أبعد عنها.
الأستاذ عصام العطار بعد سنين طويلة رأساً للحركة الإسلامية السورية، ينشق بعد إبعاده عن القيادة ويؤسس تجمعاً إسلامياً جديداً.
الأستاذ فتحي يكن يؤسس تجمعاً إسلامياً بعيداً عن جماعته الإسلامية التي أسسها في لبنان، وذلك بعد اختيار قيادة جديدة غيره.

محمد حبيب نائب المرشد العام للإخوان في مصر يترك الجماعة، ويتطرف في مهاجمتها والوقوف مع خصومها، وذلك كله لإبعاده عن منصبه واستبداله بغيره.

الحركة الإسلامية التركية قدمت نموذجاً مهماً للنجاح السياسي للحركة الإسلامية في العالم كله، لكنها في النهاية حركة مثل بقية الحركات ويجري عليها ما يجري على الجميع.
خرج حزب العدالة والتنمية بعد خلاف بين أردوغان ومن معه مع أربكان مؤسس الحركة الإسلامية الأم هناك.

وصل أردوغان للحكم، وقدم مع عبد الله غول ثنائياً ناجحاً، لرئيس وزراء ووزير خارجية، ثم لرئيس جمهورية ورئيس وزراء، ثم دبت الخلافات بينهما، ولعب الحسد لعبته، وأُبعد عبد الله غول عن المشهد.

وظهر في الصورة داوود أوغلو ليحل محل عبد الله غول في إعادة الثنائية مع أردوغان، وبدا الأمر أكثر انسجاماً بين الثنائي الجديد (أردوغان وأوغلو)، ثم بدأت تدور الدائرة ويظهر الخلاف، إلى أن يُعلن أن أوغلو سيتقدم باستقالته من رئاسة الوزراء ورئاسة حزب العدالة والتنمية.

لا بد أن تعمل الحركات الإسلامية على تقوية هياكلها التنظيمية ومؤسساتها الشورية، حتى لا تتمحور هذه الحركات حول شخصيات بعينها، فإذا ما خرجت هذه الشخصيات يوماً أو تنحت أو انشقت، بقيت الحركة قوية صلبة عصية على الانقسام والتكسّر.

ولا مانع من أن يبقى الأفراد في القيادة مدة بعد مدة بعد مدة، ما دامت هناك مؤسسات شورية قوية تجدد الثقة فيها، وتراقبها، ولا تجعل قرار الحركة قراراً لفرد مهما كان.
ويجب أن تحافظ الحركة الإسلامية على القيادات الكاريزمية فيها، مع المحافظة على أن لا تسير الحركة من وراء فرد مهما كانت عبقريته وكاريزميته.