المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجي سلطاني Headshot

فلسفة الإمارة في الإسلام

تم النشر: تم التحديث:

في هذا التوقيت وهذه الظروف، يحسن بنا أن نتحدث عن فلسفة الإمارة في الإسلام من خلال هذه النقاط التالية:

أولاً: حرص الإسلام على التجمّع والتوحّد

هذا بالقطع من فلسفة الإسلام الكبرى، فإذا كان الإنسان قد خُلق اجتماعياً بطبعه وفطرته، لا يحب العيش منفرداً وإنما يسعى دائماً إلى العيش في جماعات (هذا كما يقول علم الاجتماع والعمران)- فإن هذا الإنسان مأمور من قِبل الله -تبارك وتعالى- بأن يسعى جاهداً من أجل إتمام تلك الجماعية على أحسن ما يكون.

بل إن أصل فكرة خلق الله للإنسان هو أن يكون خليفة له يعمّر هذه الأرض ويعبد الله ويحكم بقانونه وشرعته، وليس ثمة مكان لشريعة الله في الأرض إلا أن تكون هناك جماعية، فإن أصل الشريعة ولبَّها وجوهرها تصويب العلاقات بين بعض الناس وبعضهم الآخر، ووضعها في إطار قانوني حاكم يصنع بوصلة لها لتصل بها إلى ما يجعلها على أفضل ما تكون.

ولذلك، فإنه من المتفق عليه أن الإسلام يدعو إلى وحدة المسلمين عموماً في كيان واحد بأمير، وهو ما اصطلحنا على تسميته (دولة الخلافة).

وإن كانت هناك بعض الاجتهادات التي تدعو إلى الإبقاء على البلاد القطرية، على أن يُحكم كل بلد بحاكم مسلم يطبق الشريعة الإسلامية ويؤسس للمنهاج الإسلامي، ويبقى التعاون والتنسيق بين هذه البلاد فيما بينها، وذلك على اعتبار أن البلاد القطرية قد بلغت مبلغاً من التماسك والضبط لجغرافيتها وحدودها وعنصرها السكاني بما يدعونا إلى عدم إغفال ذلك كله.


وخصوصاً أن مسألة التوحد في كيان واحد وتحت أمير واحد مسألة غير منصوص عليها لا في كتاب ولا في سنة، مع العلم أن جعل البلاد الإسلامية المتناثرة هنا وهناك في كيان جغرافي وسياسي واحد أصبح في غاية الصعوبة وربما يصل إلى درجة المستحيل.

ولكن، يبقى هذا الرأي في إطار الاجتهاد الضعيف أمام المتفق عليه من علماء الأمة في عصورها كافة، وهو وجوب التوحيد بين المسلمين جميعاً في دولة واحدة تحت أمير واحد.

ثانياً: حرص الإسلام على تنصيب الأمير

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، وقوله: "إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا أحدكم".

هكذا حرص الإسلام على الإمارة والتأمير في أهون الأمور وأبسطها؛ ومن ثم فبقدر حرص الإسلام على التجميع والتوحد يكون حرصه على اتخاذ الأمير، وهذا أمر منطقي وعقلاني قبل أن يكون إسلامياً، فلا يصح ولا يجوز أن يكون هناك كيان واحد من غير رأس مدبِّر ومقرِّر، وكيف سيكون كياناً واحداً إلا أن تكون رؤيته واحدة وسيره واحداً بهذه القيادة.

ثالثاً: تأكيد الإسلام اتخاذ أمير واحد

وهذا من الأصول الكبرى في فلسفة الإسلام الحُكمية، وذلك على الرأي الذي ذهب إليه جمهور العلماء قديماً وحديثاً كما قلنا؛ وهو وجوب أن يجتمع المسلمون في كيان سياسي واحد، فمن توابع هذا الرأي أن يكون الأمير واحداً لهذا الكيان الواحد، وفي ذلك جاء تشديد النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديثه الشريف: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير منهما".

وقد جاءت الحادثة العملية في ذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، عندما حدث الاختلاف بين المهاجرين والأنصار حول تنصيب الخليفة، وممن يجب أن يكون، من المهاجرين أم من الأنصار؛ ففي نهاية الخلاف قام أحد الأنصار وقال: "منا أمير ومنكم أمير"، فتوجه إليه بقية الصحابة بالاستغراب والإنكار، وكان الرد عليه من أحد المهاجرين: "يا معشر الأنصار، كنتم أول من أيد وناصر فلا تكونوا أول من بدَّل وحرَّف".

رابعاً: كيفية اختيار الأمير في الإسلام

وفي ذلك، جاءتنا أحداث مُعلّمة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه.
فتُحدِثنا السيرة أنه لما قضى الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بانقضاء الأجل، ترك الأمر لصحابته من بعده ليروا ما يرون في أمرهم، ولم يشأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يختار لهم أو أن يوصي، وهذا هو المثال الأعظم المعلّم لنا، فقد ترك النبي الأمر لأصحابه وهو يعلم أنهم سيتشاورون فيه إلى أن يختاروا واحداً منهم، ويكون الاختيار ساعتها قد أتى بالشورى فيما بينهم.

وإن كان أبو بكر قد اختار قبل موته عمر ونص عليه ولم يترك الأمر للاختيار من بعده، فإنه -رضي الله عنه- اختار عمر ثم شاور جموع الصحابة في اختياره ولم يزل بهم إلى أن أقنعهم بعمر رضي الله عنه؛ ومن ثم فالأمر لم يخرج عن تشاور القوم ورضاهم، وما فعْل أبي بكر إلا أنه حدد رجلاً ليتشاوروا عليه.

إذاً فتنصيب الأمير والرئيس في الإسلام هو بالاختيار والشورى، سواء من أهل الحل والعقد كما كان قَبلاً، أو من عموم الناس كما يحدث اليوم.


خامساً: الشروط الواجب توافرها في الأمير

حدَّد الإسلام شروطاً يجب توافرها في الأمير الذي يختاره الناس، ومنها البلوغ والعقل والسلامة البدنية وغيرها، ولكنّا هنا بصدد ذكر أهم هذه الشروط وأكثرها إثارة للجدل في عصرنا الحاضر، وهما شرطان اثنان "الإسلام والذكورة".

فالذي عليه أغلب أهل العلم في القديم والحديث، أن الإمارة لا تكون إلا لمسلم، ولا يصح أبداً أن يتولى الإمارة في بلد مسلم شخص غير مسلم، وذلك على اعتبار الوظيفة الدينية المعتبرة للأمير في بلاد الإسلام، فمن أهم جوانب وظيفته حفظ الدين والشريعة والقيام على تطبيقهما في حياة الناس، وهذه وظيفة تتنافى مع كون الأمير غير مسلم.

وشرط الذكورة أيضاً أكده علماء الأمة، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفلح قوم ولَّوا أمورهم امرأة".

وإذا كانت هناك بعض الآراء والاجتهادات المخالفة للمعروف عند الجمهور في مسألة الذكورة، فإن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الذكورة في الإمارة هو الأصوب والأرجح.

سادساً: تأكيد الإسلام عدم طلب الإمارة

أكد الإسلام أن يكون اختيار الأمير بالشورى، سواء من أهل الحل والعقد، أو من عموم الناس بالاختيار العام.

أما أن يطلب الرجل الإمارة ويرشح نفسه لها، فهذا ما رفضه الإسلام رفضاً قاطعاً، وقد جاءت في ذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نولي هذا الأمر مَن طلبه"، وقوله لما سأله عبد الرحمن بن سمرة الإمارة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن طلبتها وُكِلت إليها، وإن طُلبت إليها أُعنت عليها".

ولا يحتج مُحتج بما ورد عن يوسف -عليه السلام- حين قال: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، فإن ذلك من شرع مَن قَبلنا، ومن المعروف أن شرع مَن قَبلنا هو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.

ثم إن يوسف -عليه السلام- لم يقل: "اجعلني على خزائن الأرض"، إلا بعد أن قال له عزيز مصر: "إنك اليوم لدينا مكين أمين"، وكلمة "مكين" هنا تعني "ممكّن"، أي إن العزيز قد أصدر قراراً بأن يتولى يوسف سلطة من السلطات الموجودة، فكان رد يوسف -عليه السلام- أنه طالما سأتولى منصباً فلتجعلني على خزائن الأرض (وزيراً للمالية)، فإن لي علماً وخبرةً فيها.

سابعاً: جواز إمارة المفضول في وجود الفاضل

وهذا من الأصول المهمة في الفلسفة الإسلامية لاختيار الأمير، فليس لزاماً عند الاختيار أن يكون الاختيار لأفضل الأمة وأخيرها، وإنما أجاز الإسلام أن نختار الأقل فضلاً ونقدمه على الأكثر فضلاً، وذلك إذا كانت هناك مصلحة معتبرة في الأمر. ومن ذلك، فلا نستطيع أن نحكم على من اختاره الناس لإمامتهم أنه الأكثر فضلاً من غيره.

وهنا، أستغرب كيف قعّد علماؤنا الكرام لهذه القاعدة ثم خالفوها في استنتاجاتهم، فعند حديثهم عن أفضل الصحابة بعد رسول الله، قطعوا بأنه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وذلك على الترتيب الذي اختارهم به الناس في تولي الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا يكون الاستغراب، فكيف نؤمن بجواز اختيار المفضول في وجود الفاضل ثم نجزم بأن المختار هو الأفضل.

وهذا الترتيب الذي ذكروه لم ينصّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومن ثم فهو اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب. وأين أبو عبيدة بن الجراح مثلاً، والذي قال فيه عمر عند موته: "لو كان أبو عبيدة حياً لولَّيتُه"، وغيره من الصحابة الكثير ممن لم يُختاروا لإمارة الناس، ولعلهم أن يكونوا خيراً ممن اختيروا أو من بعضهم، والصحابة كلهم أخيار أكارم، ولكن الجزم بترتيب خيريتهم فيه نظر.

ثامناً: تأكيد الإسلام وجوب طاعة الأمير

فالإسلام يسعى دائماً لأن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً واحداً متماسكاً، وهذا لن يكون إلا بأمير واحد له، وبطاعة لازمة لهذا الأمير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني"، ويقول أيضاً: "اسمعوا وأطيعوا ولو استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"، ويقول ربنا -تبارك وتعالى- قبل هذا وذاك: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

ولكن الإسلام قد حدد حدوداً لهذه الطاعة؛ وهي ألا تكون إلا في المعروف، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة إلا في المعروف"، فلا تكون إلا إذا كانت قرارات وتوجهات ذلك الأمير على هدي من الشرع، فطاعة الأمراء والرؤساء مرهونة بطاعتهم لله ورسوله، فإن كان ثمة خروج منهم عن ذلك فلا طاعة لهم.

تاسعاً: كيفية إقرار الأمراء والرؤساء لقراراتهم

الذي يظهر لنا قطعاً من فلسفة الإسلام الحُكمية أن الإسلام لم يترك الأمير كإله يقرر ما يشاء ويقول ما يشاء، ولا يُحاسب أو يُراجع من أحد.

بل ألزمه بالشورى، فلا مجال لانفراده بالرأي إلا أن يشاور فيه أهل الحل والعقد كما بيّن علماؤنا الكرام، ولا خلاف بين العلماء في وجوب الشورى ولزومها على الأمير، ولكن الخلاف حول وجوب العمل بها، وهل هي لازمة ملزمة للحاكم أم أنها لازمة عليه غير ملزمة له. والراجح أنها لازمة ملزمة وليس للحاكم أن يخالفها، وهذا الرأي هو الذي يُقبل شرعاً وعقلاً، أما أن ينفرد شخص ما -مهما كان- بقرار الأمة، فتسير وراءه لا ترى إلا ما يرى، فهو غير المقبول شرعاً وعقلاً.

عاشراً: مدة الإمارة في الإسلام وخلع الأمير

من المعروف أن مدة بقاء الأمير لم يَرِد بشأنها نص من كتاب أو سُنة، ولكن الذي جرى عليه العمل من الخلفاء الراشدين، أن الخليفة يُنصّب فلا يترك منصبه إلا بموته أو عزله.

والصواب أن يُؤمّر الأمير فيبقى ما دامت الأمة مؤمنة ببقائه، أما إذا عارض بقاءه عارضٌ منه أو رأت الأمة خلعه وتغييره فلها ذلك.

والذي عليه العالم اليوم من تجديد البيعة للأمير والرئيس كل فترة، فهو من الأمور المقبولة جداً في فلسفة الإسلام الحُكمية.

وأما عن فكرة تحديد مدة الإمارة والرئاسة بفترة أو فترتين لا يجوز للرئيس أن يجدد له بعدها، فهذا مما لم يَرِد في الإسلام ما يؤيده أو يرفضه، ولكن ربما يكون الأفضل أن يبقى الأمير والرئيس دائماً أمام اختيار الأمة، فإن رأت أن تجدد له مرة أو مرتين أو مرات عدة فليكن، على أن تكون إعادة انتخابه على رأس كل فترة لازمة وواجبة، لكي يقول الناس كلمتهم ورأيهم، والأمر على رأيهم واختيارهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.