المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راجي سلطاني Headshot

الإخوان المسلمون.. انهيار واندثار أم تجديد وبعث من جديد؟

تم النشر: تم التحديث:

"لكل شيء إذا ما تم نقصانُ" هذه جلمة تعبر عن ناموس كبير من نواميس هذه الحياة.
لا تمام في هذه الدنيا، فإن قارب شيء على التمام فلا بد صائر إلى نقصان، وغاية ما يُطلب من المجتهدين حينها أن يؤخروا نقصانه عن عهدهم، أو أن يقللوا من نقصانه هذا ما وسعهم جهدهم، أو أن يبعثوا فيه روحاً جديدة تبعث فيه حياة جديدة تطيل من عمر وجوده وقوته وتمامه.

جماعة الإخوان المسلمين هي أكبر الجماعات الإسلامية، وأكثرها قوة وحضوراً في البلدان العربية والإسلامية، بل وفي بلدان العالم أجمع؛ إذ إن لها حضوراً تنظيمياً فيما يقارب الثمانين دولة.
هي جماعة مجدّدة، أحيت في عقول الناس وقلوبهم فكرة الدولة الإسلامية والمرجعية الإسلامية، وقدمت على مدار تاريخها مجموعة من العلماء والمفكرين الذين كانوا بحق أساطين الوسطية الإسلامية والاعتدال الإسلامي في قلب أمواج عاتية من الإفراط والتفريط.

لقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، وتحدث المفسرون لكلام النبي صلى الله عليه وسلم حول أن هذا المبعوث لا يلزم أن يكون فرداً، وإنما من الوارد أن يكون هذا المبعوث فرداً أو أفراداً كثيرة في نفس الزمن وفي نواح مختلفة، ومن الممكن أن يكون جماعة أو حزباً.

بلا مبالغة أو تحيز، نستطيع أن نقول إن الإمام حسن البنا وجماعة الإخوان كانوا ممن ابتعثهم الله وأوكل إليهم مهمة التجديد لدينه ولفهم تطبيقه، فإن لم يكن البنا والإخوان هم المجددين لهذه المائة الماضية بلا شريك، فهم ممن جددوا مع غيرهم من شركاء آخرين.

بلغ الإخوان أوج قوتهم وانتشارهم في نهاية القرن الماضي، وتأكدت هذه القوة وهذا الانتشار في بداية هذا القرن؛ حيث كانوا هم الوقود الأكبر لثورات الربيع العربي، فلولا الإخوان لما قامت هذه الثورات، فهم الذين بعثوا في عقول الناس وخيالاتهم فكرة التغيير والسعي إليه، ولولاهم لما نجحت، فهم الذين كانوا قوتها وسوادها وزخمها، ولولاهم لما فشلت هذه الثورات من بعد!

لقد كان الإخوان سبباً رئيسياً في فشل ثورات الربيع العربي، وليس مرد ذلك لأخطائهم في إدارة المرحلة فيما بعد هذه الثورات، كما يريد البعض أن يثبت ذلك في سجلات التاريخ، ولكن مرد هذا حقيقة إلى كون هذه الثورات ثورات إخوانية إلى حد كبير، وكون نتائجها نتائج إخوانية إلى حد أكبر.

جاءت هذه الثورات بالإخوان المسلمين لحكمها، أو للمشاركة بقوة في حكمها، وذلك في كل بلدانها (تونس ومصر وليبيا)، وكانت اليمن تستعد لنفس هذه الحالة بعد مرحلتها الانتقالية، ولم يكن خارج السياق إلا سوريا التي تحولت ثورتها إلى حرب أهلية ثم إلى حرب إقليمية تكاد تصل إلى حرب عالمية.

أتت الثورات بالإخوان أصحاب المشروع الإسلامي، فكان عداء المحيطَين الإقليمي والعالمي، والتآمر من أجل إسقاط المشروع الثوري كله، وفشلت ثورات الربيع العربي، فحدث الانقلاب الناعم في تونس، والانقلاب الدموي في مصر، والحرب الأهلية في ليبيا، والحرب الأهلية في اليمن، ما كان العالم ليسمح بنجاح الإخوان في تحقيق مشروعهم الإسلامي، أو في التأسيس له والتهيئة لتمامه.

بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الإخوان المسلمين بعد ثورات الربيع العربي وما آلت إليه، بدأت مرحلة المحنة، واشتدت حتى نستطيع أن نقول إنها المحنة الأكبر في تاريخ الجماعة، وإن الجماعة بعد هذه المرحلة لن تكون كما كانت قبلها، فإما انهيار واندثار، أو تجديد وبعث من جديد.

ضربت هذه المحنة أول ما ضربت تنظيم الإخوان في مصر، وهو التنظيم الرئيس لجماعة الإخوان العالمية كلها، فهو المؤسس والمرشد.
ضرب الانقلاب العسكري في مصر تنظيم الإخوان ضربات قاسية موجعة، تكاد تصل إلى حد الضربات المميتة، فصنع المجازر الجماعية في رابعة والنهضة، واعتقل عشرات الآلاف، وطارد مثلهم، وهجّر من البلاد مثلهم.
تشتت التنظيم وتشرذم إلى حد كبير، ولما حاول الإخوان إعادة البناء اختلفوا وانقسموا، وأصبحنا أمام جماعتين مختلفتين للإخوان في مصر.
وقد ضربت الخلافات فروع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان المختلفة من قبل أن تضرب فرع الإخوان في مصر، وزادت هذه الخلافات إلى حد الانقسام إلى أكثر من جماعة كما حدث في سوريا والجزائر والسودان والأردن، ثم ضربت الخلافات هذه الفروع وغيرها بعد محنة الإخوان في مصر، وكانت الضربة هذه المرة في طبيعة العلاقة مع الجماعة الأم فكراً وتنظيماً.

بعد محنة تنظيم الإخوان في مصر على يد الانقلاب العسكري، وبعد اشتداد الحرب الإقليمية والعالمية على الإرهاب عموماً وعلى الإخوان خصوصاً، بدأت الكثير من فروع الإخوان في البلدان المختلفة تعيد النظر في طبيعة علاقتها بالإخوان كجماعة عالمية وتنظيم دولي.

ومن المعروف أن التنظيم الدولي هو من الأشياء التي ثار حولها جدل كبير داخل الإخوان وخارجها منذ نشأته، وكان الجدل حول فكرة وجوده وعمله وشكله، لكن الأكيد أن هذا التنظيم موجود بشكل من الأشكال وله قيادة ومهمة.

بدأ بعد محنة الإخوان في مصر موسم التبرؤ من الارتباط التنظيمي مع الإخوان، فتسابقت فروع المغرب والجزائر وتونس وغيرها في تأكيد فك الارتباط، ثم جاء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا وهو الممثل للإخوان المسلمين هناك في تأكيد ذلك أيضاً، بل وصل الأمر إلى حد إظهار الخلاف الفكري، كما أكد على ذلك قادة فرع المغرب (العدالة والتنمية)، ثم ما ظهر بشكل من الأشكال في التوجه الجديد لفرع تونس (النهضة)، وسيحدث الانفصال التنظيمي كثيراً من الانفصال الفكري والتوجّهي فيما بعد.

نحن أمام مرحلة جديدة من تاريخ الإخوان المسلمين، إما أنها ستكون مرحلة انهيار واندثار، أو أنها ستكون مرحلة تجديد للإخوان في بعض الأفكار والرؤى، والأطر والوسائل.

حتى الآن لا يظهر بوضوح ذلك الذي سيحمل إرث الإخوان من بعدهم، وسيقدر على ملء فراغهم، الإخوان المسلمون جماعة كبرى ومشروع إسلامي تاريخي، وليس من السهل أن يحمل ما يحملونه أحد غيرهم، ولم يظهر في الأفق إلى الآن.
ولذلك، فإن الأقرب إلى التخيل والتوقع، أن يكون هذا الزلزال الضخم الذي يضرب الإخوان هو زلزال استفاقة، للنظر في الأفكار والتوجهات والاستراتيجيات، وكذلك في الأطر والتنظيمات والقوالب؛ ليكون التجديد الذي يمهد لانطلاقة جديدة وبعث جديد، لتستمر الجماعة في السير ناحية مشروعها الكبير وغايتها العظمى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.