المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد البليك Headshot

الاختلاف والهوية!

تم النشر: تم التحديث:

"إن هويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أي شخص آخر".

أمين معلوف في "الهويات القاتلة".

***

البحث عن الاختلاف قيمة إنسانية تقوم على أن الفرد يحاول أن يبرز ما عنده وليس ما عند الآخرين، وبغض النظر عن الأسباب الدافعة لهذه الرغبة أو النزعة الإنسانية، فإن هذا الاختلاف قد يكون في أشياء كثيرة لا حصر لها، في الخبرات والمواهب، وفهم الأشياء، بل في حل أبسط الأمور، وإدارة شؤون الحياة العامة، والبراعة أحياناً في مسائل يومية وعادية، كأن تعرف كيف تفتح حنفية قديمة استعصت على الجيران.

يبحث الإنسان عن الاختلاف كفطرة، وهذا الشيء جميل طالما أنه متعلق بالتميز الإيجابي والدافعية الخلاقة التي تقود إلى تطور الإنسانية ورفعتها، والتحرك بها نحو فضاءات أرحب في النماء الذهني والعملي، لكن إن تعلق الاختلاف بالعكس، بأن كان وسيلة للشر والنزعات الفاسدة، فهنا يتحول الأمر إلى طاقة سلبية ومدمرة، وبدلاً من أن يكون نعمة يصبح نقمة.

والذي يريد أن يكون مختلفاً، سواء كان فرداً أو أمة أو دولة أو حضارة أو شركة.. الخ، عليه طبعاً أن يبحث عن عناصر القوة فيه، والنقاط التي تميزه؛ لتجعله مميزاً ومختلفاً؛ ليعطي ذلك الفعل جاذبيته وبُعده الموجب، وهذا يعني ألا يبحث عن المختلف من خلال تدمير الآخر، كما ينعكس في المثال البسيط أن تدمر البيت الأعلى منك؛ ليصبح بيتك الصغير هو الأعلى، بل أن تفعل العكس، بأن تبني أعلى من البيت الموجود.

لكن بانتباهة بسيطة يجب أن ندرك أن الاختلاف الفاعل لا يقوم على مقارنات أو مقاربات كلاسيكية، مثل أعلى وأكبر وأطول، فهذه الصفات لا تقود لغير مكان مثل موسوعة غينيس؛ حيث التميز بهذه الطريقة التي صفتها الأرقام القياسية.. القياس كقيمة تفضل شيئاً على آخر، في حين أن التفضيل هذا يمكن أن يقوم على ما هو أعمق من ذلك في المجالات الثقافية والقيم المعرفية، وهذا هو المطلوب، والذي يوجد التأثيرات العميقة في الإنسان، ويحوله إلى فاعل في محيط المكان والزمان.

***

ربط أمين معلوف في "الهويات القاتلة" بين الهوية والاختلاف؛ فالهوية هي كينونة الذات، تنطلق أو تأتي من خلال غياب التشابه، التفكيك الذي يقود إلى أن يراني الآخر مؤثراً وإيجابياً من خلال قيمتي ككائن له بُعده الثاني، وليس مجرد تكرار أو نموذج مقولب، وهذه النظرية أو النظرة في فكر الهوية أو الاختلاف الذي يقود إليها، هي قيمة ثابتة ومفهوم شبه مؤصل له في مسارات التحديث أو البحث عن الحداثة في الشعوب، في أي موقع كان، فالفكر الإنساني الحديث يتمسك بأن الاختلاف المستقبلي الذي يقود لتأصيل هوية متفردة بحق، يقوم على كسر القوالب والأنماط والقيم المتوارثة، بشرط أن يتم ذلك بناء على وعي صحيح، وليس مجرد رغبات جارفة.

إن تكسير الأصنام أو تهشيم القيمة القبلِية، أي الورائية، لا يُوجد قيمة جديدة ولا يصنع اختلافاً ما لم يكن ثمة تأسيس مسبق للاختلاف، فالمختلف لا يأتي فقط من خلال العنف أو الحروب أو الضجيج، وفي الحكومات الشمولية والمجتمعات البدائية هناك ظنون بأن الانتصار الذي يحققه طرف على آخر باسم السيف سيقود في النهاية للسيادة، لكن سرعان ما سوف يكشف التاريخ خطل ذلك الظن، وأن الحقيقة الأبدية والماثلة هي الاندغام في جوهر الاختلاف ومعناه، بأن يكون حتى فعل العنف مؤسساً له من خلال المعرفة لا الرغبات الباطلة التي ليس لها من هدف ولا بناء تحتي واضح.

***

إن الاختلاف القائم على النفي، تجلى في الميثولوجيا الدينية كما في نموذج قصة قابيل وهابيل؛ حيث يقوم الأخ بقتل أخيه لكي تكون له السيطرة والقوة على المرعى والثروة الحيوانية والأنثى، وهذه الصيغة هي أول المجازات البشرية التي تكشف لنا أن التأسيس الأولي لفكر الاختلاف والهوية قام منذ بواكيره على إنجاز القوة، وليس المعرفة والتعلم والتدبر. فما قام به قابيل في شأن أخيه، كان مثالاً واضحاً ما زال يستنسخ إلى اليوم ويعزز بدرجة واضحة بعداً من أبعاد الكائن البشري، ذلك البعد الميثولوجي "الأسطوري" الذي يعاد إنتاجه إلى الآن، لكن المعادل الثاني هو قيمة العدل والبحث عن المختلف من خلال العقل والذكاء والإيجابية.. كما فعل النبي يوسف بأن تحقق له العلو والتوزير من خلال المضي في تأكيد الذات إيجابياً، بأن حقق هويته في مقابل كيد الإخوة أو الغريم التقليدي الممثل في الأخ، كما تبرزه بعض القصص الدينية.

مورس الاختلاف أو البحث عن الهوية باسم النفي كثيراً في التاريخ الإنساني، وصار قالباً للتحرك نحو اكتشاف الذات وتأكيدها بهذه الصورة البائسة التي قد تجد الحفاوة في وقتها أو زمانها، بأن يكون لتلك الذات التفرد والاختلاف الذي تبحث عنه، لكن ما أن يمضي الزمن وتتم المراجعات وتذهب القوة يكون للناس أن تتأمل التجربة بوجهة نظر أخرى؛ ليتم تدمير الأمس، غير أن التجربة لا تتوقف، ويتم تدوير التاريخ مرات أخرى، وبطريقة مأساوية.

***

الهويات القاتلة هي مجاز تقريبي يرمز إلى الهزيمة والانكسار والإهانات التي تقع أمامها النفس البشرية، الأمة أو الشعب، أو المجموعة المعينة وهي تفشل أمام ذاتها، بحيث تكون عاجزة عن الاكتشاف والتموضع الصحيح لما ترغب فيه، وبحيث تصبح في النهاية مجروحة ومهددة في بقائها، وهي أحياناً بسبب الإهمال والجهل أو التجاهل لا ترى أن ثمة خطراً أمامها، بل تمارس الاستمرار في العماء والتلهي بالحياة بظن أنها إيجابية وخلاقة، في حين أن العكس هو الصحيح.

وبالتالي فإن تمظهرات التحديث وصوره لا تعني أن حداثة قائمة، كما أن تمظهرات الليبرالية في المجتمعات قد لا تعني الحقيقة أبداً، كما أن صورة الحاكم العادل قد لا تعني أيضاً العدل، حتى لو شهدت بذلك الملايين، فالحقيقة قد تجلس في ركن قصي وبعيد وغير مرئي إلى أن تتلمسها ذات صغيرة وتنفذ بها إلى المستقبل؛ حيث تدرك من خلال نافذة بسيطة للاختلاف أن الأمل قائم ولم يمت، وشهدنا ذلك في مسار التاريخ، كيف أن أفكاراً بدت ساذجة في البداية وحوربت، قادت أمماً للتحرر والانطلاق إلى الإشراق وبناء الكينونات والذوات الجديدة.

***

أخيراً.. أن تكون مختلفاً وصاحب هوية يعني ألا تخضع لقانون الآخر، وأن لا تشعر بالغربة مع ذاتك، بل تفهمها وتوظف الإيجابي فيها.. لقد قيل كثيراً إن من صفات الذات المبدعة والمبتكرة أنها تعيش فعل الاغتراب، وهذا صحيح في حدود أنها تعاني "ألم الاختلاف والتباعد في الهوية مع المحيط الخارجي، أي أن يتم النظر إلى الاغتراب بصفته الموجبة لا السالبة، بقدرته على التحريك، لا كونه مدعاة للجمود والخسران.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.