المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد علي عبد الحافظ Headshot

عُمْر السجن ما غيَّر فكرة!

تم النشر: تم التحديث:

ليس دائماً ما تتضمن الشعارات حقيقة واقعية، ولكنها قد تقال أحياناً كوسيلة للهروب من الواقع، أو على سبيل الأُمنية، كما أنه ليس كل شعار صحيحاً في معناﻩ ولا هدفاً يجب الوصول إليه.

كثيراً ما يردد المعتقلون بحماس شديد وشيء من الفخر "عمر السجن ما غيّر فكرة" كرساله للآخرين تفيد بالثبات على المبدأ وعدم التفريط، ورسالة للنفس كذلك تبعث فيها اﻷمل وتشجعها على الصبر والتحمل.

ولكن ليس الثبات على شيء ما دائماً ما يكون أمراً محموداً؛ فقد يكون الثبات في أحيان كثيرة يعني الجمود، فاﻹنسان الذي يستخدم عقله ويفكر دائماً وينظر في الكون من حوله ويتدبر في الماضي والحاضر ويتعلم من أخطائه ويعرف لماذا وقع فيها، وكيف يتجنبها مستقبلاً، هذا اﻹنسان دائماً ما تتغير أفكارﻩ بشكل مستمر، ويعد هذا دليلا على حيويته.

(الزنزانة هي المكان اﻷفضل لتعلم المرء تعرف نفسه، والبحث بشكل واقعي ودائم عن طريق عمل ذهنه ومشاعرﻩ)، هكذا وصف الرئيس اﻷميركي السابق باراك أوباما تجربة الزعيم نيلسون مانديلا في السجن في مقدمة كتاب "مذكرات نيلسون مانديلا.. حواري مع نفسي".

فالسجن فرصة كبيرة رغم أنه محنة لا شك؛ فرصة ﻷنه يمثل صدمة للإنسان تجعله يسأل نفسه لماذا وصلت إلى هنا؟ وفرصة لخلوة مع النفس يعيد فيها اﻹنسان تقييم كل شيء وإعادة النظر بشكل مختلف في كل اﻷمور.

عندما تعرض المفكر اﻹسلامي علي عزت بيغوفيتش، رئيس البوسنة اﻷسبق لتجربة السجن، رأى أن السجن فرصة أيضاً للتفكير والتقييم، وقرر أن يهرب من السجن ليس بجسدﻩ ولكن بعقله، يقول في مقدمة كتابه "هروبي إلى الحرية": (لم أستطع الكلام لكني استطعت التفكير، وقررت أن أستثمر هذﻩ اﻹمكانية حتى النهاية، وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء وكل ما يخطر على البال).

وللحركة اﻹسلامية نصيب وتجربة في هذا؛ فالعديد من الحركات اﻹسلامية تعرضت في الكثير من الدول للصدام مع اﻷنظمة الحاكمة أدت بها في النهاية إلى السجن، وبعض هذﻩ الحركات أجرى مراجعات فكرية في السجون، بعضها مراجعات في بعض اﻷفكار، وتقييم لطريقة تعاملها مع الواقع وأسلوبها في التغيير، كحركة النهضة التونسية، وبعضها أجرى مراجعات جذرية للأفكار المؤسسة والمنطلقات الفكرية التي تقوم عليها الجماعة، وقامت بتفنيدها، مثل الجماعة اﻹسلامية في التسعينات، فهؤلاء أحدث لهم السجن صدمة جعلتهم يعيدون التفكير في أفكارهم وممارساتهم السياسية، التي أسهمت في الوصول إلى هذا المصير، اتخذوا بعد ذلك من اﻷسباب التي تجعلهم لا يقعون في هذﻩ المحنة مرة أخرى.

وهذا ما يجب أن يفعله مَن بالسجون؛ لابد من وقفة مع النفس، والإجابة عن سؤالين مهمين: لماذا حدث هذا؟ وما الحل؟ وإلا فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة، ولا بد للدولة من أن تشجع على هذا، وأن تفتح طريقاً لرجوع آمن، حال نتجنب حدوث تغيير سلبي في اﻷفكار واعتناق أفكار متشددة، خاصة في بيئة مثل السجن، وما تجربة جماعة التكفير والهجرة في فترة الستينيات منا ببعيدة.

إننا بحاجة إلى أن نهجر شعار: "عُمْر السجن ما غيَّر فكرة"، إلى شعار: "السجن فرصة للتفكير والتغيير".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.