المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد علي عبد الحافظ Headshot

الإخوان وعيوب التصنيع

تم النشر: تم التحديث:

الباحثون في تاريخ الحضارات والأمم وضعوا أسباباً وعوامل لقيامها وانهيارها، ووصلوا إلى أن الأسباب الرئيسية لانهيار الحضارات والأمم والدول تتمثل في عوامل الضعف الداخلية التي تصيبها فتؤدي في النهاية إلى السقوط والانهيار.

يقول المؤرخ الأميركي "ويل ديورانت": "الحضارات العظيمة لا تنهزم إلا عندما تدمر من داخلها". وما ينطبق على الدول والأمم والحضارات ينطبق على المنظمات أيضاً.

جماعة الإخوان المسلمين تحمل بداخلها عوامل ضعفها؛ حيث تتوافر فيها من العيوب الفكرية والهيكلية التي نشأت بها ما يجعلها مصممة بشكل يؤدي إلى الصدامات المتكررة، وإلى الخروج من أزمة إلى أخرى، وإلى استفراغ الجهد دون تحقيق الأهداف. ومن بين هذه العوامل والعيوب ثلاثة؛ اثنان منها فكرية، والثالث هيكلي:

1 - الغاية "استعادة الخلافة الراشدة":

نشأت جماعة الإخوان بعد إعلان سقوط الخلافة العثمانية بأربع سنوات، وكان الهدف الرئيسي هو استعادة نموذج "الخلافة الراشدة" استناداً لنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون.."، وعلى ذلك وضع البنا خطّته في صورة سبع مراحل تتحقق خلالها هذه الخلافة.

تعددت الآراء بخصوص هذا الحديث الذي يبني عليه الإخوان مشروعهم من حيث مدى قوته أو ضعفه ومن حيث تفسيره؛ أما من حيث قوته يقول د/ جاسم سلطان في كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية": "قال الدكتور أبو صهيب خالد بن محمود الحايك في موقعه معلقاً على الحديث بعد استقصاء، إن داود بن إبراهيم الواسطي الذي روى عنه أبو داود الطيالسي هو العقيلي وهو قاضي قزوين وهو متروك متهم بالكذب".

ومن حيث تفسيره يقول أيضاً د/ جاسم سلطان في المصدر السابق: "وقبل أن يحكم عليه الدكتور الحايك تضاربت الروايات في معناه فمن شرحه من الأقدمين اعتبر أن موضوعه انتهى بخلافة عمر بن عبد العزيز، والغالب أن الحديث صيغ للتقرب من عمر بن عبد العزيز".

وهناك وجهة نظر أخرى ترى أنه ليس المقصود من الحديث -إذا تجاوزنا مسألة ضعفه- أن الشكل أو النموذج التاريخي للخلافة مطلوب في حد ذاته، وهذا ما يراه د/ سعد الدين العثماني في بحثه "الدولة الإسلامية.. المفهوم والإمكان"؛ وذلك تأسيساً على عدة منطلقات منها أن الإسلام لم يأتِ بنظام محدد للحكم وإنما هناك مبادئ ومقاصد يجب مراعاتها أياً كان شكل الحكم، وأن السياسة من أمور العادات وليس العبادات، وبالتالي فهي تخضع للتجربة البشرية، وأن شكل الحكم في زمن الخلافة الراشدة كان اجتهاداً لعصره ولسنا ملزمين به، كذلك فإن هذا النموذج المراد استعادته لم يتحقق تاريخياً إلا في عهد أبي بكر وعمر، ثم بدأت بعد ذلك في عهد عثمان القلاقل التي انتهت باستشهاده ثم حدوث النزاع في عهد علي وعدم مبايعة عدد من كبار الصحابة له، ثم بعد ذلك لم تتحقق هذه الصورة فكان يوجد أحياناً أكثر من خليفة في نفس الوقت.

بالإضافة إلى أن هذه الصورة النموذجية غير قابلة للتحقق في هذا العصر الذي يتسم بالتعقيد كما يقول د/ جاسم سلطان في كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية".

2 - الخلط بين الدين والتنظيم:

"نحن الإسلام أيها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفنا كما يعرف نفسه" (البنا في مؤتمر اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد).

بهذه الكلمات ومثلها الكثير يحدث غياب للحد الفاصل بين الدين كثابت والتنظيم كوجهة نظر متغيرة وفهم معين للدين قد يصيب وقد يخطئ، يقول د/ عبد الله النفيسي في كتابه "الحركات الإسلامية ثغرات في الطريق": "من الواضح إذن الحد الفاصل بين موضوع التنظيم وموضوع الدين؛ فالتنظيم جهد بشري محض معرض للخطأ والصواب، بينما الدين الإسلامي منهج رباني".

هذا المعنى ليس في كلام البنا فقط، ولكنه يجد مكانه بشكل أكثر وضوحاً وحدة عند سيد قطب، عندما تحدث عن العصبة المؤمنة في إطار نظريته الكبرى عن مفهوم "الحاكمية"، كذلك نجد هذا الخلط في الكثير من أدبيات الإخوان.

ويترتب على هذا الخلط الكثير من النتائج؛ تتمثل في شعور بالاستعلاء على المجتمع والانعزال عنه، ويوصف المخالف بالنفاق ومحاربة الإسلام، وتصور خاطئ لمفهوم "التمكين" على أنه تمكين للتنظيم يتحقق فقط بالوصول للحكم وليس تمكيناً للمجتمع والأمة، كما تضع الجماعة نفسها بديلاً للدولة، مما يفرض حتمية الصدام.

ومن الأخطار التي تترتب على هذا الخلط أيضاً ما هو خاص بالدين وما هو خاص بالتنظيم؛ فأما ما يتعلق بالدين فيحدث أنه يتحمل كل أخطاء التنظيم، وأما بالنسبة للتنظيم فتصبح كل مقولاته وسياساته محل تقديس لا تقبل النقاش ولا المعارضة، ويصبح أصحابه فوق النقد والمحاسبة، وتختفي ثقافة النقد الذاتي والمراجعة فتستمر الأخطاء وتزداد وتموت حرية الرأي والتفكير داخل التنظيم وتكرس روح الاتِّباع، ويصبح التفكير جريمة ويصير أصحابه عبئاً على التنظيم، ويصير أهل الثقة في المقدمة، ويقذف بأهل الكفاءة في المؤخرة؛ فينهار التنظيم ولو بعد حين.

3- شمولية التنظيم:

يقول البنا في "رسالة المؤتمر الخامس" واصفاً جماعة الإخوان: "فهي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وهيئة اجتماعية"، وينطلق ذلك من فهم البنا للإسلام على أنه شامل فهو "دين ودولة"، كما يقول في "رسالة التعاليم".

يقول الدكتور القرضاوي في إحدى حلقات برنامج "الشريعة والحياة" بتاريخ فبراير/شباط 2005 ما مفاده أن شمولية الإسلام لا تعني بالضرورة شمولية التنظيمات العاملة له والمتخذة منه مرجعية لها.

في الحقيقة؛ هذه البنية الهيكلية تحدث آثاراً سلبية؛ فمن ناحية يضع الإخوان أنفسهم في وضع يستعصي على التكييف القانوني فلا يوجد قانون يستطيع تكييف هذا الشكل من التنظيمات التي تعمل في كل شيء، وبالتالي تظل تعمل في إطار من السرية وعدم المشروعية، أيضاً تتعرض الجماعة للانهيار الكامل عند دخولها في أزمة مع الدولة فيمنع نشاطها السياسي والدعوي وتغلق جمعياتها الخيرية وتجمد أنشطتها التجارية وتغلق المستشفيات والمدارس التابعة لها، أيضاً تتأثر الدعوة التي من المفترض أن يكون لها الأولوية، ويخصم من رصيدها على حساب العمل السياسي، ونتيجة لعدم التخصص تظل الجماعة تدور في حلقة مفرغة، فيتشتت الذهن ويستفرغ الجهد، ولا يتحقق هدف، ولا تجني الجماعة إلا المِحَن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.