المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد علي عبد الحافظ Headshot

أزمة الإخوان بين السياسة وعلم النفس

تم النشر: تم التحديث:

التشخيص السليم -كما يقولون- نصف العلاج، لكن بعض الأمراض يصعب تشخيصها بسهولة وتحتاج لخبير ببواطن الأمور؛ كي يستكشف أسبابها الكامنة، وقد تحتاج أحياناً لخبراء في عدة تخصصات؛ نظراً لتشعّب المشكلة.

وكما ينطبق ذلك على الأمراض التي تصيب الأبدان، فإنه ينطبق أيضاًً على الأمراض التي تصيب الأمم والشعوب والجماعات.

والحقيقة أن الناظر لحال جماعة كجماعة الإخوان المسلمين وواقعها وأزمتها الحالية محاولاً فهمها وتحليلها والوصول لأسبابها، فإنه يقف حائراً لدرجة كبيرة، درجة لا يستطيع معها معرفة الأسباب، ولا فهم وتفسير الأعراض، وبالتالي كيفية الوصول لحل تخرج به من أزمتها ومن صراع مع الدولة لا تزال فيه منذ أربع سنوات.

ورغم أن أزمة الإخوان هي أزمة سياسية ومن المفترض أن نجد تفسيراً لها وحلولاً في كتب علم السياسة وعند خبرائها، إلا أنها في الوقت ذاته تمثل مشكلة نفسية أيضاًً.

ففي علم السياسة توجد قواعد وأصول يجب أن يعرفها مَن أراد أن يمارسَها، ومن بين القواعد الهامة التي يجب على الفاعل السياسي أن يدركها جيداً حتى يستطيع السباحة في بحورها الهائجة أن (الفاعل السياسي يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى)، يقول د. جاسم سلطان، في كتابه "قواعد في الممارسة السياسية": (ينطلق رجل السياسة من علمية وعقلانية شديدة في فهم الواقع، فإن أحسن تفسيره استطاع أن يتفاعل معه ويضع خطة لتغييره، وإن رسمه كما يتخيل هو فإنه يصارع في معركة خيالية)، وتلك هي معضلة الإخوان الحقيقية أنهم لديهم حالة عجيبة من إنكار الواقع وعدم الرغبة في الاعتراف به، فعندما يتعرضون لأزمة أو محنة يحاولون بكل السبل تبريرها بكل الطرق بشكل تنتفي معه أية مسؤولية من جانبهم، وهذا ما يسمى في علم النفس بـ"الحيل الدفاعية النفسية"، فالإنسان إذا تعرض لمشاكل أو ضغوط يتعامل معها إما بالمواجهة أو باستخدام "الحيل الدفاعية" التي يلجأ إليها في حالة عدم استطاعته التغلب على المشاكل؛ ليخفف من حدة التوتر والإحساس بالندم، ويحسّن من صورته الذاتية، ومن ضمن هذه "الحيل": التبرير، والإنكار؛ حيث يقوم بتبرير الفشل أو الخطأ بأسباب تبدو معقولة على غير الحقيقة، وإنكار الحدث أو التقليل من شأنه أو من نتائجه.

وهذه آفة الإخوان الكبرى، فلأنهم لم يتدربوا على ثقافة المراجعة والنقد الذاتي، فكلما تعرضوا لمحنة فإنهم لا يستطيعون إدراك أسبابها وبالتالي لا يعرفون كيفية الخروج منها، فلا يجدون أمامهم إلا إنكار الواقع، أو التقليل من شأن النتائج المترتبة، ومحاولة تبرير ذلك بأن هذا ابتلاء من الله يقع على عباده المؤمنين الذين يدافعون عن الحق، ويتم استدعاء كل النصوص الدينية التي تتحدث في هذا الإطار وتفسيرها وإنزالها بشكل غير صحيح، وكأنهم هم الفئة المخاطبة بهذه النصوص دون باقي الأمة.

الكثير من الأحداث مرت منذ الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 2011 تعامل معها الإخوان بهذه العقلية التبريرية التي ترى الواقع كما تتمنى أن تراه، لا كما هو واقع؛ عقلية لا تعترف بخطأ، وتتهرب دائماً من المسؤولية متهمة غيرها، فمنذ البداية لم يحرص الإخوان على ضرورة التوافق الوطني مع باقي القوى السياسية، وانتهجوا سياسة المغالبة، ظانين بوجود تأييد شعبي قوي يحمي من العواصف، ثم اتخذوا قراراً كارثياً وصفه حينها الكاتب الأستاذ "فهمي هويدي "بالوقوع في الفخ"، وهو الترشح للرئاسة، الذي تم اتخاذه بغير دراسة وبنظرة ضيقة وقراءة خاطئة للواقع السياسي الداخلي والدولي، ثم بعد ذلك أثناء فترة حكم "مرسي" كان هناك سوء تقدير لشعبيتهم، واعتقاد بأن اختيار الشعب لهم دليل على الرضا الكامل، واستهتار بالغضب الموجود عند الكثير من الناس نتيجة أمور كثيرة، منها سوء إدارة الدولة، أيضاً كان لديهم سوء تقدير لموازين القوى، واعتقاد بأن وجود تنظيم قوي كافٍ لعمل أي شيء ومواجهة أي قوى أخرى، أيضاً عدم قراءة الرسائل التي كانت توحي بوجود إجراءات من شأنها عدم اكتمال مدة رئاسة "مرسي"، وعدم الإسراع بانتخابات رئاسية مبكرة تقي من المصير المحتوم رغم التحذيرات التي وصلت له حتى من مقربين.

ففي مقال في جريدة الوطن القطرية كتب "أحمد منصور" يحكي عن أن أحد الزعماء العرب أوفد أحد كبار مسؤوليه الذي يحتل مكانه كبيرة عربياً ودولياً لمقابلة "مرسي" ليخبره بأن هناك شيئاً ما يدبَّر ضده، إلا أنه فوجئ بـ "مرسي" يضحك بملء شدقيه قائلاً: (أنا في بطني بطيخة صيفي من الجيش)، ولم يكن هذا حال "مرسي" فقط، فهذا "عصام العريان" الذي قال عما وصفه بـ"الانقلاب" إنه (ليس له وجود إلا في عقل حازم أبوإسماعيل)، وغير ذلك من تصريحات لكثير من قيادات الإخوان التي تؤكد رؤيتهم وقراءتهم للواقع بناء على تصورات وأوهام لا توجد إلا في عقولهم.

وبعد عزل "مرسي" زادت هذه المعضلة وحدثت صدمة للإخوان، وبدلاً من أن تعيد إليهم رشدهم وتوقظهم من غفلتهم؛ ليتعاملوا مع الواقع كما هو، جعلتهم يدخلون في حالة مرضية من إنكار الواقع وعدم الاعتراف بالنتائج المترتبة عليه، ومن ثم الدخول في معركة وهمية بأسلحة وهمية وخطاب وأفكار ونصوص دينية يتم إنزالها في غير موضعها، فالحديث عن عودة "مرسي" للحكم لم يقف منذ أربع سنوات أوشكت خلالها أن تنتهي المدة الرئاسية وتستعد الدولة لإجراء انتخابات جديدة، والحديث عن استكمال الثورة رغم تفرق كل القوى السياسية التي شاركت فيها، وعدم وجود أي استعداد لحراك شعبي في الوقت الراهن؛ في رسالته المهربة من سجن العقرب والتي نشرت في عدة مواقع إلكترونية منذ أيام قليلة لا يزال "عصام العريان" يتحدث عن سقوط وشيك للنظام، وانتظار تحرك ما وصفه بـ"شرفاء" الجيش! فأي غيبوبة فكرية وأي وادٍ سحيق يقبع به هؤلاء؟!

فليتعلموا إن أرادوا من حركات سياسية إسلامية أخرى تعاملت مع الواقع ومع السياسة بقواعد السياسة لا بقواعد الدروشة، فهذه حركة حماس التي تعاملت ببراغماتية شديدة مع الواقع، وقدمت مصلحة شعبها وعملت على تخفيف معاناته، وفهمت لعبة موازين القوى جيداً، وهذه حركة النهضة التونسية التي استقالت حكومتها طواعيةً رغم فوزها في انتخابات نزيهة وذلك لإدراكها بتراجع شعبيتها ووجود ضغوط عليها، وأنهم قد يتم إجبارهم على الخروج من الحكم، ففضّلوا الاستقالة لتجنب مصير إخوان مصر، وصرح بعدها "الغنوشي" زعيم الحركة: (خسرنا السلطة، وربحنا تونس والديمقراطية).

وأخيراً حزب العدالة والتنمية المغربي عندما بدأ الحراك في الشارع المغربي عام 2011 وتفاعل معها الملك بعمل إصلاحات دستورية، قام الحزب بالتعامل بنسبة كبيرة من البراغماتية ونزل "عبد الإله بنكيران" القيادي في الحزب ورئيس الحكومة بعدها إلى الشارع بنفسه مخاطباً الشباب بأن (المطالبة بالإصلاحات شيء معقول، بينما المغامرة بالنظام أمر غير مقبول)، وذلك لإدراك الحزب لخصوصية المملكة وبالتالي تعامل مع الحراك ومطالب الشارع وإجراءات النظام الإصلاحية وقتها بشكل واقعي وعملي، ولم يندفع وراء شعارات وأهداف غير واقعية.

إن الواقع يفرض نفسه فرضاً؛ فإما أن تتعامل معه كما هو محاولاً تغييره بالوسائل المتاحة، وإما أن تمضي وراء الأوهام والأحلام الزائفة وتعيش في عالم من صُنعك أنت فقط لا يمت للواقع بصلة؛ لتخرج منه كمثل الذي يبسط يده إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.
فهل يتعلم الإخوان الدرس؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.